من الصناعة التقليدية إلى محطة وقود.. كيف تغيّر مشروع ملكي بتسلطانت؟

كش بريس/التحرير ـ منذ تدشينه سنة 2004 تحت الرعاية الملكية، قُدِّم مشروع تجزئة دوار الهناء بجماعة تسلطانت باعتباره ورشا اجتماعيا وتنمويا متكاملا، يهدف إلى إعادة هيكلة المجال وتحسين شروط عيش الساكنة، عبر إحداث تجزئة سكنية ومرافق اجتماعية كان من أبرزها فضاء مخصص للصناعة التقليدية، شُيّد على بقعة استراتيجية عند مدخل الجماعة، في رسالة واضحة تروم دعم الحرفيين وصون الذاكرة المهنية والثقافية للمنطقة. يومها، اعتقد الصناع التقليديون أن الدولة تفتح لهم نافذة نحو الاعتراف الاقتصادي والاجتماعي، وأن التنمية يمكن أن تُبنى أيضا على حماية الحرفة لا على ابتلاعها.

غير أن المشروع، الذي انطلق بشعارات التأهيل والإنصاف، انتهى إلى نموذج صارخ لتحويل المصلحة العامة إلى موضوع لإعادة التوزيع العقاري والسياسي. فقد فوجئت الساكنة بتغيير جوهري في طبيعة المشروع، بعدما جرى تحويل المرفق المخصص للصناعة التقليدية إلى محطة للوقود ومحلات تجارية، في تناقض صريح مع تصميم التجزئة ودفتر التحملات اللذين خصصا العقار حصريا لهذا الغرض الاجتماعي والحرفي.

الأمر هنا لا يتعلق فقط بخرق تقني أو إداري بسيط، بل يكشف عن أزمة أعمق تضرب مفهوم الحكامة الترابية نفسه؛ إذ كيف يمكن لمشروع تم تقديمه كجزء من رؤية تنموية عمومية أن يتحول، بقرار محلي، إلى استثمار تجاري ينسف فلسفة المشروع الأصلية؟ وكيف تصبح الوثائق التعميرية ودفاتر التحملات مجرد نصوص قابلة للتأويل أو الالتفاف، حين تتقاطع السلطة المحلية مع منطق الريع العقاري والمصالح الخاصة؟

الأخطر من ذلك، بحسب شهادات الساكنة، أن الاعتراضات المتكررة لم تجد أي صدى فعلي لدى الجهات الوصية، رغم وقوف لجنة من وزارة الداخلية على ما وُصف بـ”الخرق السافر”. غير أن المعاينة، في نهاية المطاف، لم تنتج مساءلة سياسية أو إدارية واضحة، ولم تُفتح أسئلة المسؤولية حول تغيير طبيعة المشروع، بل انتقل النقاش – بشكل يثير الاستغراب – إلى مساءلة بعض النواب بشأن رخص الربط، وكأن جوهر القضية ليس تحويل مرفق اجتماعي إلى مشروع تجاري، بل تفاصيل إجرائية هامشية.

إن ما جرى يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود دوار الهناء: ما جدوى التخطيط العمراني إذا كان قابلا للتغيير وفق موازين النفوذ؟ وما معنى التنمية الترابية حين يتم التضحية بالفضاءات الاجتماعية والحرفية لصالح اقتصاد المحروقات والاستهلاك؟ ثم أي صورة تُرسم في ذهن المواطن حين يرى مشاريع دُشنت باسم التنمية تتحول تدريجيا إلى واجهات للاستثمار الريعي؟

في العمق، تبدو القضية مرآة لاختلال أكبر تعيشه عدد من الجماعات الترابية، حيث يتم الانتقال بصمت من “الحق في التنمية” إلى “تدبير المجال بمنطق الغلبة”، ومن حماية المرافق ذات البعد الاجتماعي والثقافي إلى إعادة تدوير العقار العمومي داخل شبكات المصالح. وهنا تحديدا يتحول سؤال الصناعة التقليدية من مجرد مرفق ضائع، إلى سؤال عن مصير الذاكرة المحلية نفسها، في مواجهة تمدد منطق الإسمنت والربح السريع.

Exit mobile version