
التَّشَبُّثُ بالشيْءِ
هناك ألف سبب وسبب يمنعك من أن تستكين وتهدأ في ساعات الليل، فربما يعاودك سعال لا ينتهي، فيهتز جسدك مع كل شهيق وكأنك مطروح على عربة خيل، أو إن اشتد بك المرض، لكأنك محمول في نعش. وربما لأنك تائه لا تجد مكاناً تلقي عليه نظرتك، فالعالم كله أمام عينيك محتقن بالحمرة، عيناك حمراوان هكذا لأن أحدهم همس يوماً أن عينيك زرقاوان، وتلك الكلمة لامست شغاف الروح. وما أروع أن نتأثر بأحدهم فلا يحتاج الأمر إلا للحظات ليبقى الأثر حيّاً طوال العمر، وما أغرب هذا التأثر الذي يظل يطرق جدران الروح صخباً ومع ذلك يتركك ساكناً في صمت عميق. وما أجمل كلمة صمت فهي تحمل في أحشائها نقيضيها: السكون والصوت، وأعذب ما في الصوت أنه حركة، وأرق ما في الحركة أنها بالغة اللطف، يكفي أن تلمس جلدك بحنوّ لتشعر كأن يداً أخرى تحتضنه. ولكن الوجه الآخر للحركة يبدو ساحراً ونابضاً بالحماس. إذ قد يكمن في قدميك وحش راقص عنيد يلحّ عليك أن تدق الأرض بكعبيك طوال المساء، والمحير حقاً أنك تعجز أحياناً عن اختيار أي نوع من هذه الحركات ترغب أن يطول. ولحسن الحظ أن لكل امتداد نهاية، فكل صخب مهما اشتد يعود في النهاية ليخمد ويهدأ، لكن أكثر ما يفتنني في كلمة صمت هو أننا نستطيع أن نضيف إليها حرفاً لتصبح بالإنجليزية كلمة تعني الاستمرار،
لكي نلتفت إلى بعضنا في العتمة ونسأل ببساطة وحنان: لماذا لم نعد نغفو بعد؟
ذات ظهيرة
كان هناك ذات مرة ظهيرة لها وجه، وجهٌ مستدير بفمٍ ودود وأنفٍ واضح، وعينين صغيرتين تلمعان كالحبر الأسود، تتطلعان إليك من الفراغ، عندما تذهب مثلاً إلى المطبخ لتأخذ كأس ماء، أو تفتح نافذة الغرفة الأمامية، أحياناً كانت الظهيرة تدندن بنغمة مرحة تارة، وحزينة تارة، لكنها دائماً النغمة ذاتها، وعندما يحل المساء بعد ذلك تبدأ الظهيرة في الغناء، خافتاً في البداية ثم يعلو الصوت أكثر فأكثر كلما تقدم المساء، والكلمات تواصل التدفق إلى أن يصبح الوقت ليلاً ويسكت العالم، ساكنٌ تماماً كصمت هذا البيت، عندما تذهب مثلاً إلى الحمام لتأخذ كأس ماء وتستمر عيناي اللامعتان كالحبر الأسود في التحديق بي من المرآة المعلقة فوق المغسلة ومن النافذة المفتوحة في الغرفة الأمامية، يجب أن أخرج من رأسي، ولكن لو رأيتَ كم كنتُ مغترباً بالفعل لما فهمتَ هذه العبارة، لن يفاجئني شيء لو استيقظتُ صباح الغد شخصاً آخر لكن ذلك سيفاجئها هي.
حكايات أطفال الروضة
عندما أقرأ قصصاً عن أطفال يتذكرون حياتهم السابقة، ينتابني نوع من الارتياح، فحتى لو لم أنجح في البقاء على قيد الحياة فربما أتمكن من العودة إليها مجدداً، فما الذي يعنيه ذلك، أن أتشبث بالعيش بكل هذا اليأس لدرجة تجعلني مستعدة لتصديق حكايات أطفال الروضة؟ لكن الأمر ليس مجرد تسليم أعمى، بل لأنني أشعر أيضاً أن هذا ممكن، أشعر كم هو هائل حجم الأشياء التي لا نعرفها.
- شاعر وفنان ومترجم عراقي مقيم في هولندا
- لايكه مارسمان (1990 – 2026)
شاعرة وروائية هولندية بارزة، شغلت منصب (شاعر هولندا الوطني) (2021-2023) وتُعد من أعمق الأصوات المعاصرة حساسية وشفافية في الأدب الأوروبي.

ائتلاف التعليم للجميع يدعو إلى إعادة الاعتبار لمهنة التدريس
جمعية المستهلك تضع أمام الحكومة الجديدة خارطة لحماية القدرة الشرائية
أكثر من 60 ألف مقاولة جديدة بالمغرب خلال سبعة أشهر
جمعية بوابة فاس تكرّم البروفيسور المغربي عبد الحميد بنعزوز صاحب أبحاث رائدة في علاج باركنسون