
في أعماق كل إنسان فضاء خفيّ، تتكوّن فيه المعاني بعيدا عن ضجيج العالم. هناك تنضج القيمة، وتتشكل الرؤية، ويصير الأمل طاقةً تتخطى أثقال الذاكرة وتعيد ترتيب العلاقة بالحياة. بعض الأرواح تختار أن تعيش من هذا العمق؛ فتخفّ عنها قيود العابر، وتتجه بكليّتها نحو ما يمنح الوجود معنى وسموًا.
كثير من الكبار عبروا مسالك المجتمع وهم يحملون في داخلهم ميزانًا أدقّ من مقاييس العرف. تتقدّم لديهم القيم المهنية إلى مرتبة العهد الأخلاقي، ويغدو العدل رسالةً تُصان بوعيٍ يقظ ومسؤولية لا تهادن. وعندما يرتبط الأمر بساحة القضاء، يصبح الضمير حارسًا دائمًا، ويصير الانتصار للحقيقة مسارًا يوميًّا لا استعراضًا عابرًا.
في ومضةٍ خاطفة قادتني إلى شهادةٍ مستحقة في حق الأستاذة القاضية السابقة والمحامية اليوم رشيدة العسول، بدا لي أن ما يستحق الالتفات ليس مظاهر الاحتفاء، بل ذلك التوهج الهادئ الذي يسكنها. حضورها يحمل أثر قارئٍ نذر نفسه للمعرفة، ووعيٍ تشرّب من صفحات الكتب حتى غدت القراءة لديها مقامًا وجوديًّا، والكتاب رفيق دربٍ يمنح الفكر جرأةً ويكسو الروح جمالًا.
رشيدة العسول روحٌ تتوزع بين عشق النصوص وسحر الحروف، وتضيف إلى ذلك سيرةً مشبعةً بشرف الموقف وكرامة الاختيار. حضورها يتجاوز حدود الفرد ليصير طاقةً جامعة؛ تمدّ الجسور بين الناس، وتوجّه البوصلة نحو لقاءات الحكمة، حيث تسمو الكلمة وتُصان الفكرة من التبديد. سخاؤها لا يُقاس بما يُعطى فحسب، بل بما يُزرع من أثرٍ في محيطها: وقتًا، وجهدًا، ودعمًا لكل مبادرة تُحيي الفكر وتحتفي بالفن وتُكرم الثقافة.
إنها نبرة ثابتة في زمن الاضطراب، وإشراقةٌ تتجدد كلما ظنّ العابرون أن الضوء يخفت. ومن هذا المقام يتبدى التكريم معنىً أعمق من مناسبة؛ اعترافًا بمسارٍ جعل من المعرفة حياةً، ومن العدالة خُلقًا، ومن العطاء أفقًا مفتوحًا على خلود الأثر.




