
كش بريس/التحرير ـ في عالمٍ تتعاظم فيه رهانات الأمن، وتتداخل فيه التحديات العابرة للحدود، لم يعد التعاون بين الدول خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة بنيوية تفرضها تحولات الواقع الدولي. وفي هذا السياق، تبرز التجربة المغربية بوصفها نموذجًا متقدمًا في بناء مقاربة أمنية متكاملة، قادرة على الجمع بين الصرامة المهنية والانفتاح الاستراتيجي على الشركاء الدوليين.
في هذا الإطار، استقبل عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، يوم الاثنين 30 مارس 2026 بمكتبه في الرباط، المفتش العام للشرطة بجمهورية ليبيريا كريكوري كوليمان، مرفوقًا بسفير بلاده المعتمد بالمغرب ووفد أمني رفيع المستوى.
وتندرج هذه الزيارة ضمن مساعي الأجهزة الأمنية الليبيرية إلى الاستفادة من الخبرة المغربية في تدبير القضايا الأمنية المعاصرة، بما يشمل تحديث البنيات الشرطية وتعزيز قدراتها العملياتية. وقد عبّر المسؤول الليبيري عن اهتمام بلاده بتطوير آليات التعاون مع قطب الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، خاصة من خلال الاطلاع على تجربة المكتب المركزي للأبحاث القضائية في مكافحة التطرف والإرهاب، إلى جانب تجربة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في التصدي لشبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن الاستفادة من النموذج المغربي في تطوير الشرطة العلمية والتقنية.

ولم يقتصر هذا اللقاء على تبادل وجهات النظر، بل أسفر عن توافق مبدئي بين الجانبين على إعداد مذكرة تفاهم ثنائية، تروم تأطير هذا التعاون وتوسيعه ليشمل مجالات متعددة ذات اهتمام مشترك. ومن المرتقب أن يتم التوقيع على هذه الاتفاقية في الرباط، تزامنًا مع تخليد الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني في ماي 2026، في خطوة ترمز إلى عمق التحول الذي عرفه الجهاز الأمني المغربي عبر تاريخه.
وفي سياق متصل، استقبل عبد اللطيف حموشي، زوال اليوم ذاته، سفير جمهورية إندونيسيا المعتمد بالرباط يويو سوتيسنا، حيث شكل اللقاء مناسبة لاستعراض آفاق التعاون الثنائي بين البلدين في المجال الأمني. وقد تركزت المباحثات على سبل تفعيل الاتفاقيات القائمة، إلى جانب الاتفاق على إعداد مذكرة تفاهم جديدة تشكل إطارًا مرجعيًا لتطوير هذا التعاون وتعزيزه.
وتعكس هذه الدينامية الدبلوماسية الأمنية انخراط المغرب في رؤية تقوم على تبادل الخبرات وتقاسم الممارسات الفضلى، بما يعزز موقعه كشريك موثوق في محيطه الإقليمي والدولي. كما تؤكد في الآن ذاته أن الأمن، في زمن العولمة، لم يعد شأنًا سياديًا صرفًا، بل مجالًا للتكامل والتنسيق، حيث تتقاطع المصالح وتتقاسم الدول مسؤولية مواجهة التحديات المشتركة.
في عمق هذه اللقاءات، يتبدّى أن الأمن لم يعد مجرد جهاز أو مؤسسة، بل أصبح لغةً كونيةً جديدة، تتحدث بها الدول حين تعجز السياسة عن قول كل شيء. إنها لغة الثقة، حيث تتحول التجارب إلى جسور، والخبرات إلى رأسمال رمزي مشترك. وربما كان الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة المخاطر، بل في القدرة على تحويلها إلى فرص لإعادة تعريف معنى الشراكة في عالمٍ يتغير على إيقاع القلق.





