
كش بريس/من عبد الحق النصري (الرباط) ـ اعتبر وسيط المملكة، حسن طارق، أن البيئة المؤسساتية والسياسية التي يشهدها المغرب توفر شروطًا مواتية لتعزيز مكانة الوساطة الإدارية والمرفقية، مبرزًا أن إقرار جلالة الملك ليوم 9 دجنبر كيوم وطني للوساطة المرفقية يشكل منعطفًا نوعيًا في مسار تكريس هذا الاختيار، ويمنحه بعدًا رمزيًا ومؤسساتيًا داخل المرفق العمومي.
وخلال عرضه أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، المخصص لتقديم وشرح مضامين التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024، أوضح طارق أن السياق الراهن يتميز بحركية جديدة داخل هيئات الحكامة، تجسدت، لأول مرة، في احترام الآجال القانونية لإحالة التقرير السنوي، معتبرا أن ذلك يعكس إمكانية إرساء علاقة أكثر تفاعلية بين البرلمان وهيئات الحكامة، قائمة على التعاون وتكامل الأدوار بين فضاء الاقتراح وفضاء التمثيل.

وسجل وسيط المملكة أن الخيط الناظم للتقرير يتمثل في التحول الذي طرأ على موقع الإدارة، التي باتت تشكل نقطة التماس الأساسية بين السياسات العمومية وانتظارات المجتمع، مشيرًا إلى أن المواطن لم يعد ينظر إلى الإدارة كمجرد جهاز تنفيذي، بل كواجهة مباشرة للإجابات العمومية المرتبطة بأوضاعه الاجتماعية، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين مشحونة بتوترات بنيوية.
وفي هذا الإطار، كشفت المعطيات الإحصائية المرتبطة بسنة 2024 عن ارتفاع ملحوظ في عدد القضايا المعروضة على المؤسسة، حيث بلغ مجموع الملفات المسجلة 7948 ملفًا، شكلت التظلمات منها 5755 حالة، أي ما يزيد عن 72 في المائة، وهو ما يعكس استمرار تصاعد الطلب المرتبط بمجالات تدخل المؤسسة.
وعلى مستوى طبيعة النزاعات، أظهر التقرير تصدر الملفات ذات الطابع الإداري بما مجموعه 2325 ملفًا، تلتها الملفات المالية بـ1761 ملفًا، ثم القضايا العقارية بـ926 ملفًا، وهي مجتمعة تمثل أكثر من 87 في المائة من مجموع التظلمات، ما يؤكد استمرارية بؤر الاحتكاك التقليدية بين المرتفق والإدارة، خصوصًا في الجوانب الإدارية والمالية والجبائية والعقارية.

وأشار حسن طارق إلى أن التعاطي مع هذا الحجم من الملفات، سواء تعلق الأمر بالتظلمات أو بمهام الإرشاد والتوجيه أو بطلبات التسوية الودية، يندرج في صلب الرهان المتعلق بتعزيز نجاعة المؤسسة، وضمان اضطلاعها بدورها الدستوري والحقوقي في حماية المرتفقين.
وفي هذا الصدد، أوضح التقرير أنه تمت معالجة 5774 تظلمًا خلال سنة 2024، مقابل 5448 خلال السنة السابقة، إلى جانب البت في 2182 ملفًا للإرشاد والتوجيه، مقارنة بـ1836 ملفًا سنة 2023، فضلاً عن معالجة عشر حالات للتسوية الودية.
وخلص وسيط المملكة إلى أن التقرير رصد مستوى تفاعل الإدارات العمومية مع تدخلات المؤسسة، من خلال جملة من المؤشرات، من بينها تنفيذ التوصيات، وتفعيل قرارات التسوية، والقيمة المالية للأحكام المنفذة، إضافة إلى مؤشري سرعة المعالجة وجودة الاستجابة.
من جهتهم، اعتبر عدد من النواب البرلمانيين أن التقرير السنوي، بما تضمنه من معطيات دقيقة وتشخيص موضوعي، يبرز الدور الحيوي الذي تضطلع به مؤسسة وسيط المملكة في دعم مبادئ الحكامة الجيدة، وترسيخ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وصيانة حقوق المرتفقين، في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بتزايد الضغوط.
وأشاد المتدخلون بالمجهودات المبذولة لمعالجة الشكايات، مع تسجيلهم أن استمرار ارتفاع الملفات المرتبطة بتدبير الإدارة أو تعقيد المساطر يطرح تساؤلات حول مدى التزام بعض الإدارات بتنفيذ توصيات الوسيط، وهو ما يستدعي، عند الاقتضاء، تقوية آليات التتبع والجزاء لضمان فعالية التدخلات وتحقيق الانسجام المؤسساتي.

كما شدد النواب على أهمية ترسيخ الوساطة داخل الإدارة العمومية باعتبارها مقاربة استباقية، لا تقتصر على معالجة الاختلالات بعد وقوعها، بل تقوم على الإنصات، وتبسيط الإجراءات، واحترام آجال الرد، بما يحد من تفاقم النزاعات الإدارية ويعزز الثقة في المرفق العمومي.
وفي ختام النقاش، نوّه النواب بتكامل الأدوار بين البرلمان ومؤسسة وسيط المملكة، خاصة في ما يتعلق باستثمار خلاصات التقرير السنوي في العملين التشريعي والرقابي، وتحويلها إلى إصلاحات ملموسة تنعكس إيجابًا على علاقة المواطن بالمؤسسات.





