كش بريس/التحرير ـ لم تعد اتفاقية الشراكة الخاصة بتهيئة البنيات التحتية والشبكات الأساسية بجماعة تسلطانت مجرد وثيقة تقنية عادية، بل تحولت إلى عنوان سياسي وإداري ثقيل، يكشف حجم الارتباك الذي يطبع تدبير الشأن المحلي، ويطرح أسئلة مقلقة حول طبيعة الأولويات الحقيقية التي تتحكم في القرار الترابي بالمنطقة. فالاتفاقية التي وُقعت في الأنفاس الأخيرة من عمر المجلس الجماعي، وفي ظل غياب ثلثي الأعضاء خلال الدعوة الأولى للاجتماع، ثم تدخل السلطة بشكل مباشر لاستدعاء المتغيبين وتأمين النصاب في الاجتماع الثاني، لا يمكن قراءتها خارج سياق الضغط المؤسساتي لتسريع تمرير مشروع ضخم قبل نهاية الولاية، مهما كانت الكلفة السياسية والقانونية والأخلاقية لذلك.
الحدث هنا لا يتعلق فقط بمشروع بنية تحتية، بل بطريقة إنتاج القرار العمومي نفسه. كيف يمكن لاتفاقية بقيمة 200 مليون درهم أن تمر في ظروف مرتبكة، وفي توقيت سياسي شديد الحساسية، دون نقاش عمومي واسع، ودون تقديم أجوبة واضحة حول جدواها الحقيقية، وأولوياتها، ومآلاتها الاجتماعية والعقارية؟ ولماذا بدا المجلس الجماعي وكأنه مجرد واجهة شكلية لتزكية قرار جاهز أكثر من كونه مؤسسة تداولية مستقلة؟المثير في الاتفاقية أن لغتها العامة والمطاطة تكاد تخفي أكثر مما تكشف. فالمادة الأولى تتحدث عن مواكبة الدينامية العمرانية والسياحية، وكأن جماعة تسلطانت تحولت فجأة إلى منصة استثمارية كبرى، بينما واقع الساكنة ما يزال غارقاً في اختلالات الطرق، والتطهير، والهشاشة الاجتماعية، وتعثر ملفات عقارية عمرت طويلاً دون حل.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل الأولوية اليوم لتأهيل شروط عيش السكان، أم لتأهيل المجال لفائدة مشاريع استثمارية وعقارية وسياحية أكبر من الجماعة نفسها؟. المادة الثانية من الاتفاقية تبدو بدورها أقرب إلى إعلان نوايا فضفاض، إذ تتحدث عن تحديد الأدوار والالتزامات، بينما القراءة الدقيقة تكشف اختلالاً صارخاً في توزيع المسؤوليات. فجماعة تسلطانت مطالبة بالتمويل، وتوفير العقار، وتحمل التعويضات، وتسوية المنازعات، وتأمين التراخيص، بينما تتولى شركة التنمية الجهوية التدبير المالي والتقني الكامل للمشروع مقابل نسبة 5 في المائة من قيمة الأشغال. أي أن الجماعة تدفع، بينما القرار الفعلي ينتقل تدريجياً إلى مؤسسات أخرى تملك سلطة الإنجاز والتصرف والتتبع.الأخطر أن المادة الرابعة تجعل الكلفة المالية مفتوحة على المجهول، حين تنص على أن مبلغ 200 مليون درهم تقديري وقابل للارتفاع بعد الدراسات، مع التزام الجماعة بتغطية أي تكاليف إضافية. هنا يتحول المال العام إلى شيك مفتوح، دون سقف واضح، ودون ضمانات حقيقية لحماية ميزانية الجماعة من تضخم النفقات والانزلاقات المالية المعتادة في مثل هذه المشاريع الكبرى.
ثم تأتي المادة السادسة لتكشف واحدة من أخطر النقاط في الاتفاقية، حين تُلزم الجماعة بتوفير الأوعية العقارية مصفاة من كل تعرض أو ارتفاق، وتحمل كافة التعويضات الناتجة عن المنازعات القضائية والترحيل. والسؤال هنا شديد الحساسية: كيف ستعوض الجماعة سكاناً يقيمون فوق أراضٍ مخزنية لا يملكون رسوم ملكيتها؟ ومن المستفيد الحقيقي من التعويضات المحتملة؟ هل هم البسطاء الذين عاشوا لعقود في وضعيات هشة، أم أصحاب النفوذ والاستثمارات والتعاونيات العقارية التي راكمت امتيازات داخل المنطقة؟
إن الاتفاقية، بهذا المعنى، تبدو وكأنها تنقل العبء الاجتماعي والقانوني بالكامل إلى الجماعة والسكان، بينما يتم تسويق المشروع باعتباره عملية تأهيل عمراني. والحال أن التجارب المشابهة في عدة مناطق أظهرت أن مثل هذه المشاريع كثيراً ما تنتهي إلى إعادة تشكيل المجال لفائدة الرأسمال العقاري والسياحي، مقابل دفع الفئات الهشة إلى الهامش.وإذا كانت الاتفاقية تتحدث عن تنمية وتأهيل المجال الترابي، فإنها تلتزم صمتاً مثيراً حول ملفات ظلت لسنوات في قلب مطالب الساكنة، وعلى رأسها اتفاقيات تأهيل دواوير زمران والنزالة والخادير، التي اختفت فجأة من النقاش، دون تفسير رسمي لمآلها. كما تتجاهل بشكل لافت ملف التفويت العقاري بدواوير الحركات وتكانة، رغم وجود مراسلات رسمية لوزارة الداخلية ومحاضر اجتماعات سابقة بولاية الجهة.
فكيف يتم القفز على هذه الالتزامات القديمة نحو مشروع جديد ضخم، دون تقييم ما تحقق وما تعثر؟الأكثر إثارة للانتباه أن الاتفاقية تمنح شركة التنمية الجهوية صلاحيات واسعة جداً: فتح الحسابات، تدبير الأموال، إبرام الصفقات، تتبع الأشغال، التصريح بالتسليم، وإعداد التقارير، بينما يظل دور المجلس الجماعي محدوداً في التمويل وتحمل الكلفة السياسية والاجتماعية. وهذا يطرح سؤالاً مقلقاً حول مستقبل الديمقراطية المحلية نفسها: هل ما يزال المنتخبون يدبرون الشأن الترابي فعلاً، أم أن الجماعات تحولت تدريجياً إلى صناديق تمويل لمشاريع تُصنع خارج فضاءات التداول الديمقراطي؟حتى المادة المتعلقة بتسوية النزاعات لا تخلو من دلالات مقلقة، إذ تفضل الحلول الودية والتحكيم، بما قد يفتح الباب أمام تسويات مغلقة بعيداً عن الرقابة العمومية والقضائية الواسعة، خصوصاً في مشاريع بهذا الحجم والتعقيد العقاري والاجتماعي.في العمق، تكشف هذه الاتفاقية أزمة أعمق من مجرد مشروع تهيئة.
إنها أزمة تصور للتنمية نفسها: هل التنمية هي تعبيد الطرق وربط الشبكات فقط؟ أم أنها قبل ذلك إنصاف اجتماعي، ووضوح في الأولويات، وعدالة مجالية، واحترام لذكاء الساكنة وحقها في معرفة كيف تُصرف أموالها؟ لأن أخطر ما في هذه الاتفاقية ليس فقط ما كُتب داخل فصولها، بل أيضاً ما تم السكوت عنه بعناية.

تعديلات برلمانية متباينة حول شروط الولوج إلى مهنة المحاماة
تقرير أممي: عدم المساواة يهدد صحة وتعليم الأطفال بالدول الغنية
تقارير مجلس الحسابات تكشف أزمة إرادة سياسية للإصلاح