68,5% نسبة الإدماج في «إدماج».. دراسة تكشف محدودية «تأهيل» و«فرصة»

كش بريس/التحرير ـ أظهرت دراسة علمية حديثة أن برنامج «إدماج»، القائم على دعم الأجور، يحقق نتائج أفضل في الإدماج المهني للشباب المغربي على المدى القصير مقارنة ببرنامجي «تأهيل» و«فرصة»، مشيرة إلى تفاوتات ملموسة في فعالية برامج التشغيل العمومية التي تشرف عليها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات.

واعتمدت الدراسة، التي نشرَتها مجلة «ديسكفر غلوبال سوسايتي» في أواخر يوليوز 2026، على تحليل معطيات إدارية تغطي الفترة الممتدة بين 2016 و2024، وشملت 4500 مستفيد، بواقع 1500 مستفيد لكل برنامج. وينتمي أفراد العينة إلى فئات عمرية شابة، بمتوسط يقارب 25 سنة ونصف، مع حضور أكبر للذكور بنسبة تناهز 60 في المائة.

وتنطلق الدراسة من واقع صعب يعيشه الشباب في سوق الشغل المغربي، حيث تتراوح معدلات البطالة في صفوفهم بين 25 و30 في المائة، فيما يوجد نحو ثلث الشباب خارج منظومات العمل والتعليم والتكوين، وهو ما دفع فريقا بحثيا من جامعة الحسن الأول بسطات إلى اختبار مدى قدرة البرامج العمومية على تحويل الدعم والتكوين والمواكبة إلى فرص فعلية للإدماج المهني.

ويختلف منطق التدخل بين البرامج الثلاثة؛ إذ يقوم «إدماج» على تقديم دعم مباشر للمشغلين بهدف خفض كلفة التوظيف، بينما يركز «تأهيل» على تطوير مهارات الباحثين عن العمل قبل إدماجهم، في حين يتجه «فرصة» إلى الوساطة ودعم التشغيل الذاتي والمبادرات المقاولاتية.

وكشفت النتائج عن أفضلية واضحة لبرنامج «إدماج»، الذي بلغت نسبة الإدماج في صفوف مستفيديه 68,5 في المائة، مقابل 63,2 في المائة لدى مستفيدي «تأهيل» و60,8 في المائة لدى المستفيدين من «فرصة».

وأظهرت التحليلات الإحصائية أن احتمال حصول المستفيدين من «تأهيل» على وظيفة يقل بنحو 32 في المائة مقارنة بمستفيدي «إدماج»، بما يعادل تراجعا يناهز 9,7 نقاط مئوية في احتمال الإدماج المهني.

ويربط الباحثون هذه الأفضلية بالتصميم المباشر لبرنامج «إدماج»، الذي يخفف المخاطر المالية المرتبطة بالتوظيف بالنسبة إلى المشغلين، ويمنح الشركات حافزا لاتخاذ قرار التوظيف دون انتظار فترة طويلة لاختبار مهارات المرشح وإنتاجيته.

في المقابل، رصدت الدراسة ما سمته «تأثير الانغلاق» بالنسبة إلى برنامج «تأهيل»، حيث قد يؤدي الانخراط في دورات تكوينية تمتد لعدة أشهر إلى تقليص الوقت والجهد المخصصين للبحث الفعلي عن فرص العمل، بما ينعكس مؤقتا على فرص الإدماج.

وسجل البحث، في المقابل، أن فعالية «فرصة» تتأثر بدرجة كبيرة بعوامل مرتبطة بالمرحلة التي تلي الاستفادة من البرنامج، خصوصا القطاع الاقتصادي ونوع العقد. كما أظهرت النتائج وجود فروق مرتبطة بالجنس، تمركزت أساسا لدى الذكور، بينما كانت الفوارق الإحصائية محدودة للغاية لدى الإناث.

التعليم المتوسط يتفوق على الشهادات الجامعية

وأبرزت الدراسة نتيجة لافتة تتعلق بالعلاقة بين المستوى التعليمي وفرص الاندماج في سوق العمل، إذ تبين أن الحصول على التعليم الثانوي التأهيلي يشكل أقوى مؤشر إيجابي للإدماج المهني ضمن المتغيرات المدروسة.

ويرفع هذا المستوى التعليمي احتمال الحصول على وظيفة بنحو 7,7 نقاط مئوية مقارنة بالتكوين المهني، بينما لم يظهر التعليم الجامعي تأثير قوي أو حاسم في احتمالات الإدماج ضمن النموذج المعتمد.

وتعزز هذه النتيجة ملاحظة وجود تفاوت كبير في حضور حاملي الشهادات الجامعية بين البرامج، إذ غابوا تماما عن عينة برنامج «تأهيل»، في حين مثلوا نحو 39 في المائة من مستفيدي «فرصة» و38 في المائة من مستفيدي «إدماج».

وتقرأ الدراسة هذه النتائج باعتبارها مؤشرا على استمرار الطلب القوي على المؤهلات المتوسطة في قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على اليد العاملة، بما يعكس، في الوقت ذاته، اختلالا هيكليا في التوافق بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق الشغل.

البيانات تحد من دقة التنبؤ

ولم تتوقف الدراسة عند قياس نتائج البرامج، بل اختبرت أيضا إمكانية استخدام تقنيات التعلم الآلي للتنبؤ باحتمالات الإدماج المهني. وأظهرت المقارنة بين نموذج الانحدار اللوجستي وخمس خوارزميات متقدمة أن النماذج الأكثر تعقيدا لم تحقق تفوقا على النموذج الإحصائي البسيط.

وتراوحت مستويات دقة التنبؤ بين 0,509 و0,530، وهي مستويات اعتبرتها الدراسة محدودة، بما يكشف عن قصور في قدرة السجلات الإدارية الحالية على توفير المعطيات اللازمة لبناء نماذج تنبؤية دقيقة.

ويعود هذا القصور، بحسب الباحثين، إلى غياب مجموعة من المتغيرات الأساسية عن قواعد البيانات، من بينها الخبرة المهنية السابقة، وكثافة فرص الشغل المتاحة محليا، ومستوى التحفيز الشخصي، والاستعداد النفسي للاندماج في سوق العمل.

وحذرت الدراسة، بناء على ذلك، من اللجوء المبكر إلى أنظمة الاستهداف التنبؤي أو اتخاذ قرارات بشأن قابلية تشغيل الأفراد اعتمادا على قواعد بيانات لا تزال تفتقر إلى المعطيات النوعية الضرورية.

الإدماج لا يقاس بالحصول على وظيفة فقط

وسجل الباحثون عددا من القيود المنهجية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند قراءة النتائج، أبرزها اعتماد الدراسة على مؤشر ثنائي يحدد ما إذا كان المستفيد قد اندمج مهنيا أم لا، دون قياس جودة الوظيفة التي حصل عليها.

وبالتالي، لا تكشف البيانات المتاحة ما إذا كان الإدماج قد تم في وظيفة مستقرة، أو بأجر مناسب، أو بعقد يوفر حماية اجتماعية وصحية كافية. كما أن توزيع المستفيدين على البرامج لم يكن عشوائيا بالكامل، ما يترك مجالا لتأثير عوامل أخرى غير مرصودة في تفسير الفوارق المسجلة.

توصيات لتطوير سياسات التشغيل

خلصت الدراسة إلى ضرورة إعادة بناء منظومة البيانات المرتبطة ببرامج التشغيل العمومية، عبر إدماج معطيات أكثر تفصيلا حول فرص العمل المتاحة، ودينامية المقاولات، وحاجيات المشغلين، إلى جانب تطوير مؤشرات موحدة لقياس قابلية التشغيل.

كما أوصت بتكثيف المواكبة المقدمة للمستفيدين من «تأهيل» و«فرصة» بعد انتهاء مراحل التكوين أو الاستفادة من البرنامج، مع توجيههم بشكل أكثر دقة نحو القطاعات التي توفر فرصا أكبر للإدماج، خصوصا البناء والصناعة والخدمات والسياحة.

وتخلص الدراسة، في جوهرها، إلى أن نجاح برامج التشغيل لا يرتبط فقط بحجم الدعم المقدم أو طبيعة التكوين، وإنما بمدى قدرة السياسة العمومية على وصل مهارات الشباب بالحاجيات الفعلية للمقاولات، وتحسين جودة البيانات، وربط التكوين بمسارات مهنية قابلة للاستمرار.

Exit mobile version