‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د مصطفـــى غَلْمـــان: الخبر المزيّف والذكاء الصادق.. تأملات في إعلام ما بعد كأس (الكان)

في تأملنا الأولي لما أعقب تنظيم كأس الكاف الأخيرة بالمغرب، لا يفرض علينا الحدث الرياضي ذاته أسئلته بقدر ما تستفزنا المقاربة الإعلامية، بوصفها بنية سوسيولوجية كاشفة لا محايدة. إذ تتبدى أعطاب آلية إعلامية عابرة للقيم والثقافات، منزاحة عن أخلاقياتها، غارقة في التزييف، ومطمئنة إلى شيوع الخبر الكاذب كأداة اشتغال عادية.

هذا الانزلاق الفج لا يبدو عارضا، بل يفتح على أسئلة ملحّة تتصل بوظائف الرقابة وحدودها، وبأدوار الإعلام حين يتحول إلى ذراع للدعاية السياسية، خاصة عندما يكون موجها من جهات تناصب البلد المنظم العداء

. وفي عمق الإشكال، يطفو سؤال النسقية: أي موقع يشغله الإعلام داخل المنظومة القيمية التي يفترض أن تحكم لعبة رمزية ككرة القدم، من حيث كونها فضاءً للتقارب الإنساني، ولتوحيد مخيال السلام والتسامح، لا لتغذية الأحقاد وإعادة إنتاج الكراهية؟. إنه سؤال لا يقبل التبسيط ولا التسطيح، ولا يمكن الاحتماء بتأويلاته المتشعبة لتبرير الانزلاقات الخطيرة في فهم الرسالة الإعلامية. فنحن إزاء زمن لم تعد فيه العلاقات والقيم والأسس الإنسانية قادرة على حجب الحقائق، ولا على عزل الإعلام عن التقاطعات السياسية التي تعيد توجيهه، وتفرغه من وظيفته الأخلاقية، وتحرفه من أفق الإخبار إلى منطق الاصطفاف. ومن ثمة لا يصبح الخلل في الخطاب فحسب، بل في الوعي ذاته، حين يُستبدل الدور التنويري للإعلام بوظيفة التمويه، ويغدو الحدث الرياضي مجرد ذريعة لصراع رمزي تتخفى فيه السياسة خلف قناع الخبر.

 إن ما يُصطلح عليه بفظاظة الإنترنت لا يُختزل في انحراف لغوي أو سلوك تواصلي منفلت، بل يتجلى كقوة ناعمة تُلهب المشاعر الجمعية وتُعمّق تشظي النسيج الاجتماعي، حتى وهي تفتح، paradoxically، أفقًا موهومًا لما يُسمّى بالديمقراطية الإعلامية. هذا التناقض البنيوي يضعنا أمام إشكال ملحّ يتعلق بمعايير جودة الخبر، ويستدعي انتقالا أفقيا في الممارسة الإعلامية، لا يراكم السرعة وحدها، بل يُثمّن الجِدّة المصحوبة بالصبر الموثوق، ويعيد الاعتبار للزمن بوصفه شرطا للفهم لا عائقا أمامه.

صحيح أن غرف الأخبار الأكثر قدرة على الصمود والمنافسة هي تلك التي نجحت في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات جمع الأخبار وتحليل تفاعلات الجمهور، غير أن هذا التحول لا يعكس مجرد تحديث تقني، بقدر ما يكشف انتقالا عميقا في منطق الاشتغال الإعلامي، من هوس السبق الصحفي إلى بناء قدرة تحليلية تسمح بتأويل الحدث داخل سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي مركب. وهو ما نبّه إليه الباحث نيكولاس دياكوبولوس حين أشار إلى أن الخوارزميات لم تعد أدوات محايدة، بل فاعلا بنيويا يعيد تشكيل الممارسات الصحفية وحدودها المعرفية والأخلاقية. غير أن الركيزة الأنجع في هذه النسقية الإعلامية الجديدة تتجلى في الدور الحاسم الذي بات يضطلع به الذكاء الاصطناعي في مواجهة الأخبار المضللة، وفي التحقق من الصور والفيديوهات المفبركة، بما يعزز رأسمال الثقة داخل المؤسسات الإعلامية، ويُقلّص من الأثر التخريبي للمحتوى الزائف. ومن هنا، فإن القطيعة الضرورية مع الممارسات المنافية لجودة العمل الإعلامي، كما تجلت في بعض تغطيات دورة “الكان” بالمغرب، لا يمكن أن تتم دون استيعاب واعٍ لمنطق الذكاء الاصطناعي، ليس كبديل عن الأخلاق المهنية، بل كرافعة نقدية وتقنية تُعيد للإعلام وظيفته الأصلية: الكشف، لا التضليل. الفهم، لا التحريض.

لقد كشفت أبحاث ودراسات سوسيولوجية إعلامية حديثة عن الروافد الكبرى التي يتأسس عليها أفق مستقبليات الإعلام، خاصة في ما يتصل بتقاطعه المتنامي مع علوم البيانات. ويتجلى ذلك بوضوح في صعود الصحافة البيانية، وتكثيف استخدام أدوات التحقق الرقمي، وتطوير تقنيات أكثر عمقا في تخصيص المحتوى، مع استحضار إكراهات الخصوصية بوصفها حدًّا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه. وهي تحولات لا يمكن قراءتها كترف تقني، بل كمؤشرات على إعادة تشكيل بنية الفعل الإعلامي ذاته.

ولا ريب أن هذه المبادرات ستُعزّز من قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم الإنتاج الإعلامي وتوسيعه، دون أن تؤدي إلى إلغاء دور الصحفي، بل إلى إعادة تعريفه. فالصحفي في هذا الأفق الجديد لا يُختزل في ناقل للمعطى، بل يغدو فاعلا نقديا، يُحسن استنطاق البيانات، ويفكك التباسات تدوير المعطيات الكاذبة أو الزائفة أو المنحرفة عن مقصديتها، بما يضمن اتساق الأدوار الإعلامية مع مقتضيات الحقيقة والمعنى.

ومن هنا، يبرز الرهان الجوهري على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد وظيفة آلية اختزالية، قد تنزلق إلى الهيمنة الصمّاء، إلى رافعة للتحدي التكنولوجي ذات ميسم نبيل، تُسخّر التقدم العلمي والنهضة المعرفية في خدمة التفوق والنجاح، لا بوصفهما امتيازا نخبويا، بل كقوة مُنَشِّطة للحياة العامة للإنسان، ومعززة لقدرة الإعلام على الإسهام في بناء وعي جماعي أكثر اتزانا ومسؤولية.

إن خلاصة هذا المسار التأملي لا تقودنا إلى إدانة عابرة لممارسات إعلامية معطوبة، بقدر ما تضعنا أمام سؤال وجودي يتعلق بمصير الإعلام نفسه في زمن تَشابُك السلطة بالمعرفة، والتقنية بالقيم. فما جرى في أعقاب كأس الكاف بالمغرب لم يكن إلا كاشفا عن أزمة أعمق. أزمة وعي بدور الإعلام وحدوده، وأزمة ثقة في قدرته على أن يكون وسيطا أخلاقيا بين الحدث ومعناه. فالرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال الإنسان بالخوارزمية، ولا في تقديس الذكاء الاصطناعي كحلّ سحري، بل في بناء تعاقد جديد بين الصحفي والتقنية، بين السرعة والحكمة، وبين الخبر ومسؤوليته الرمزية. تعاقد يُعيد للإعلام وظيفته بوصفه أفقًا للفهم المشترك، لا ساحة للاصطفاف، وفضاءً لتكثيف المعنى لا لتبديده، حتى يظل الحدث الرياضي، وغيره، مناسبة لتجديد الثقة في الإنسان، لا ذريعة إضافية لانكسارها.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button