
كش بريس/خاص ـ
رأت مجلة جون أفريك الفرنسية، في تحليل وقّعه فرانسوا سودان، مدير هيئة تحريرها، أن المسار الدولي لقضية الصحراء يسير بوتيرة تميل بشكل متزايد لصالح الطرح المغربي، في وقت تواصل فيه الجزائر التمسك بموقفها التقليدي، رافضة أي مراجعة سياسية حقيقية رغم الإشارات الصادرة من الرباط والدعوات المتكررة لفتح صفحة جديدة. واعتبرت المجلة أن الحديث عن اختراق وشيك في عام 2026 يبقى أقرب إلى التفاؤل منه إلى الاحتمال الواقعي.
جذور تاريخية تُفسّر التشدد المغربي
وأعادت المجلة التذكير بالسياق التاريخي الذي يطبع مقاربة المغرب لقضاياه الترابية، مشيرة إلى أن استقلال المملكة عام 1956 لم يكن كاملاً من حيث السيادة الجغرافية. فقد احتاجت الرباط سنوات إضافية لاسترجاع مناطق مختلفة، من طرفاية إلى إفني، وصولاً إلى الصحراء، فيما ما تزال مدينتا سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية.
هذا المسار التاريخي، بحسب جون أفريك، أسهم في ترسيخ تصور وطني صارم تجاه الوحدة الترابية، يقوم على رفض أي تنازل يُنظر إليه باعتباره مساساً بالأرض. ويعزز هذا الشعور، من وجهة نظر المغاربة، ما يعتبرونه تنازلات مؤلمة قُدمت خلال ترسيم الحدود مع الجزائر، وهو ما يجعل أي مقترح يُفهم كاقتطاع ترابي غير مقبول شعبياً ورسميًا.
2025… عام التحول الدبلوماسي
بعد مرور خمسين عاماً على استرجاع الصحراء، الذي شكّل محطة جامعة في الذاكرة الوطنية المغربية، جاء عام 2025 ليحمل تطورات وُصفت بالمفصلية. فقد اعترف مجلس الأمن، لأول مرة بهذا الوضوح، بمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 باعتباره الأساس الأكثر واقعية لحل النزاع، ومقاربة قابلة للاستمرار وتحظى بقبول متزايد.
ورغم أن القرار الأممي الأخير جدّد ولاية بعثة “مينورسو”، فإنه تخلّى عملياً عن التأكيد الصريح على خيار الاستفتاء، وهو ما يعكس، وفق المجلة، تحوّلاً في وظيفة البعثة نحو دور وقائي يقتصر على تفادي الاحتكاك العسكري المباشر. وتربط جون أفريك هذا التحول بالدعم الصريح الذي بات يحظى به المغرب من واشنطن وباريس، في ظل إرهاق دولي متزايد من نزاع طويل الأمد قليل الحدة لكنه محفوف بالمخاطر.
2026: أي أفق سياسي؟
وتساءلت المجلة عمّا يمكن أن يحمله عام 2026، مرجحة أن يستمر الجمود الحالي باعتباره السيناريو الأقرب. فبالرغم من إعلان الولايات المتحدة رغبتها في لعب دور الوساطة، لا يبدو الملف ضمن أولوياتها الاستراتيجية، كما لم تتبلور بعد رؤية واضحة أو خطة تحرك محددة.
أما التصريحات التي صدرت عن مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، والتي تحدثت عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سريع، فقد اعتبرتها جون أفريك أقرب إلى التقديرات المتفائلة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. كما أشارت إلى الغموض الذي يلف الجهة الأمريكية المكلفة فعلياً بتدبير هذا الملف.
ويُضاف إلى ذلك، بحسب المجلة، انتظار الأطراف الدولية توضيحات إضافية من المغرب حول طبيعة الحكم الذاتي المقترح ومستوى الصلاحيات الممنوحة، إلى جانب نماذج الحكامة المبتكرة التي يفترض أن ترافقه، وهو ما يدفع العواصم الكبرى إلى تبني مقاربة التريث.
توازن هش على حافة التصعيد
في الجانب الأمني، ترى جون أفريك أن استمرار الوضع الراهن يعكس أيضاً قدرة المغرب والجزائر على التحكم في منسوب التوتر، رغم انهيار وقف إطلاق النار وقطع العلاقات الدبلوماسية. فكل طرف، رغم الاستعدادات القائمة، يدرك حدود التصعيد الذي لا ينبغي تجاوزه.
ففي مقابل تحركات عسكرية محدودة لجبهة البوليساريو، يعتمد المغرب على ردود محسوبة بواسطة الطائرات المسيّرة داخل نطاق جغرافي مضبوط، بينما تتجنب الجزائر، حتى الآن، تزويد الجبهة بأسلحة نوعية أو تقنيات متقدمة قد تقلب موازين المواجهة.
وفي خلفية هذا المشهد، يعيش عشرات الآلاف من الصحراويين في مخيمات تندوف أوضاعاً اجتماعية واقتصادية هشّة، حيث تشكل الأجيال الشابة وقوداً محتملاً لمخاطر التهريب أو التطرف أو الهجرة غير النظامية، ما يجعل الوضع الإنساني عاملاً إضافياً للقلق.
خيارات بديلة على طاولة الرباط
وإلى جانب سيناريو الجمود، عرضت المجلة فرضيتين أقل احتمالاً. الأولى تقوم على ممارسة واشنطن ضغوطاً مباشرة على الجزائر لدفعها إلى القبول بالحل المغربي، غير أن هذا الخيار يبدو محفوفاً بالمخاطر، نظراً لحساسية المؤسسة العسكرية الجزائرية تجاه أي ما قد يُفسر كإهانة سيادية.
أما الفرضية الثانية، فتستند إلى قناعة مغربية متنامية بأن مسار التفاوض بلغ حدوده القصوى، ما قد يدفع الرباط إلى تصعيد دبلوماسي متعدد الواجهات، يبدأ بمحاولة إخراج الصحراء من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي داخل الأمم المتحدة، ثم التحرك داخل الاتحاد الإفريقي لمراجعة وضع الكيان الانفصالي.
كما يبرز خيار آخر أكثر حساسية، يتمثل في السعي إلى تصنيف جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً، استناداً إلى علاقاتها الإقليمية، وهو مسار تصفه المجلة بالبالغ الخطورة لما قد يترتب عنه من تداعيات مباشرة على الجزائر.
يد ممدودة بلا جواب
واختتمت جون أفريك بالإشارة إلى أن الملك محمد السادس جدّد، في خطاب العرش لسنة 2025، دعوته إلى حل توافقي يحفظ كرامة جميع الأطراف، دون منتصر أو مهزوم. غير أن هذه المبادرة، التي حرصت على تفادي أي منطق للإذلال أو الغلبة، لم تلقَ تفاعلاً يُذكر.
وترجّح المجلة أن يستمر هذا الجمود خلال 2026، معتبرة أن النظام الجزائري يتعامل مع ملف الصحراء كأداة في صراعاته الإقليمية وحساباته الداخلية، أكثر من كونه قضية مبدئية، وهو ما يجعل العزلة الدبلوماسية دافعاً لمزيد من التشدد بدل البحث عن تسوية.





