
لا يستقيم الحديث عن الإصلاح التشريعي خارج سؤال الأمن التشريعي، باعتباره أحد أعمدة دولة القانون، وضمانة أساسية لاستقرار القواعد القانونية وثقة المجتمع في العدالة. فالتشريع لا يُقاس فقط بنياته المعلنة، بل بأثره الفعلي على منظومة الحقوق والحريات، وفي مقدمتها حق الدفاع واستقلال المحاماة.
في هذا السياق، يثير المسار الذي يُدار به ملف مهنة المحاماة أكثر من علامة استفهام. إذ تُقدَّم بعض المبادرات التشريعية في ثوب التحيين والتحديث، بينما تحمل في عمقها نزعة ارتكاسية تُعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والحرية على حساب الضمانات الدستورية. وهنا يتسلل ما يمكن تسميته بالشرّ التشريعي التافه: تعديلات جزئية، وتضييقات تقنية، وتوسيع للاختصاصات الزجرية، تُراكم أثرًا خطيرًا دون أن تُعلن القطيعة صراحة مع دولة الحقوق.
إنّ دستور المملكة لم يجعل من حق الدفاع ترفًا إجرائيًا، ولا من المحاماة مهنة عادية، بل أرساهما كركيزتين للعدالة المنصفة. فالمحامي، بحكم وظيفته، ليس خصمًا للدولة ولا عائقًا أمام النظام العام، بل شريكٌ مؤسسي في إنتاج العدالة وحماية الحقوق. وكل مساس باستقلاله، تحت أي مبرر كان، هو مساس مباشر بتوازن المحاكمة العادلة وبمبدأ تكافؤ الأسلحة.
غير أنّ منطق التوجس الأمني، حين يتغلغل في التشريع، يُحوّل هذا الشريك إلى موضوع مراقبة وتأديب. فبدل تعزيز استقلال المهنة، يُعاد إخضاعها لمنطق الضبط، وبدل توسيع فضاءات الثقة، يُضيق هامش الحرية المهنية. وهكذا تنتقل المحاماة من موقع الضمانة الدستورية إلى موقع الاشتباه، في انزلاق صامت يهدد جوهر العدالة ؛ ويتعاظم هذا الخلل حين يُستثمر التشريع في سياق حسابات سياسية أو انتخابية ظرفية. فالقوانين التي تُسنّ لإرسال رسائل الحزم والصرامة لا تُنتج أمنًا تشريعيًا، بل تُعمّق هشاشته. إذ يفقد القانون طابعه التعاقدي العام، ويغدو أداة تدبير آنية، خاضعة لمنطق الدورة السياسية لا لمنطق الدولة.
إنّ الأمن التشريعي لا يتحقق بتقليص أدوار الدفاع ولا بتهميش المحامين، بل بإشراكهم في صياغة القوانين التي تمس صميم وظيفتهم، وبالالتزام الصارم بروح الدستور لا بنصه المجرد. فاستقلال المحاماة ليس امتيازًا فئويًا، بل شرطًا بنيويًا لضمان حق الدفاع، وبدونه تتحول العدالة إلى مسطرة شكلية، لا إلى فضاء إنصاف.
وختاما نؤكد على ان الإصلاح التشريعي، في جوهره، فعلُ تحيينٍ وتحديثٍ وانفتاحٍ على مكتسبات جديدة، لا مسارُ ارتكاسةٍ إلى الوراء، ولا ذريعةٌ للإجهاز على الحقوق المكتسبة تحت عناوين زائفة. فالقانون الذي يُصاغ بمنطق الخوف أو الحسابات الظرفية لا يُصلح، بل يُربك؛ ولا يُحصّن الدولة، بل يُقوّض الثقة فيها. أما الإصلاح الحقيقي، فهو ذاك الذي يُراكم الضمانات بدل تقويضها، ويجعل من دستورية حق الدفاع واستقلال المحاماة أساسًا للأمن التشريعي، لا عبئًا عليه.





