
كش بريس/خاص ـ عندما يتهيأ المساء الرمضاني لاستقبال سكونه الخاص، تتقدّم الكلمة إلى الواجهة كأنها تبحث عن مقامها بين الهمس والإنشاد. في هذا المناخ، تواصل دار الشعر بمراكش نسج طقسها السنوي، حيث يحتل الشعر موقع القلب من المشهد الثقافي، ويغدو اللقاء مناسبة لإعادة الإصغاء إلى ما تقوله اللغة حين تتحرر من الاستعمال اليومي.
يوم الثلاثاء 24 فبراير، وعلى مدرج كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، تنعقد فقرة جديدة من “مؤانسات شعرية” في افتتاح الدورة الثامنة لليالي الشعر الرمضانية. هناك، تتقاطع أصوات عبدالرحيم سليلي، وثريا إقبال، وحمزة بن، في فضاء يحتمل التعدد ويحتفي باختلاف النبرات، حيث تتجاور التجربة الذاتية مع أفق جماعي أوسع، وتتحول القصيدة إلى مجال للتفكير بقدر ما هي مجال للبوح.
وتنساب “مقامات روحانية” بصوت الفنانة سعيدة ضياف ومشاركة الفنان ياسين الرازي، فتتشكل طبقة سمعية تعمّق أثر النص وتمنحه امتدادا وجدانيا. وفي فقرة “الديوان”، يوقّع الشاعر حمزة، القادم من كلميم بوابة الصحراء واد نون، مجموعته “ترنيمتان للصحراء”، الصادرة عن منشورات دائرة الثقافة في حكومة الشارقة بتنسيق مع الدار؛ حيث تستدعي القصائد أفق الصحراء بما يحمله من صفاء واتساع وتأمل.
هذا الموعد يندرج ضمن مسار تعاون مستمر بين الدار وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، في إطار شراكة أوسع مع جامعة القاضي عياض، التي احتضنت على مدى السنوات الماضية تظاهرات وملتقيات ثقافية وشعرية متنوعة، بمشاركة مؤسسات من بينها كلية اللغة العربية وكلية الآداب والمكتبة الرقمية الجامعية. ويتجلى في هذا الامتداد حرص على أن يظل الفضاء الجامعي مجالا حيا لتداول الفكر الجمالي، ومختبرا للأسئلة التي يثيرها الإبداع في صلته بالمجتمع.
ليالي الشعر الرمضانية، وقد ترسخت كتقليد سنوي، تفتح أبوابها أمام رواد الحرف وعشاق الكلمة، في برمجة تسعى إلى إقامة حوار بين الشعر وفنون القول، ضمن رؤية تتجدد مع كل موسم. ومع اقتراب الموسم التاسع، تبدو هذه الأمسية علامة على رغبة واضحة في تطوير الخيارات الثقافية وتوسيع أفقها الجغرافي والرمزي، بما يعزز حضور القصيدة في الفضاء العمومي.
يبقى الشعر، في نهاية المطاف، مرآة دقيقة لنبض الإنسان، يلتقط تحولات الزمن ويعيد صياغتها في لغة قادرة على احتضان القلق والأمل معا. وفي زمن يضيق فيه مجال التأمل، تظل مثل هذه اللقاءات فسحة ضرورية لإعادة الاعتبار إلى المعنى، وإلى تلك اللحظة الصافية التي يصير فيها الإصغاء فعلا من أفعال المعرفة.





