
كش بريس/التحرير ـ يشهد العالم اليوم تحولات عميقة مرتبطة بتسارع تطور التقنيات الذكية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر المجالات تأثيرًا في تشكيل مستقبل المجتمعات البشرية وأنماط عيشها ومعرفتها. وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات الدولية إلى ضرورة إخضاع هذا التطور لمنظومات أخلاقية وتشريعية تضمن توجيه التكنولوجيا نحو خدمة الإنسان بدل أن تتحول إلى عامل تهديد لاستقراره الاجتماعي والمعرفي.
وقد حذّر مسؤول أممي من أن التطور غير المنضبط للأنظمة الذكية قد يفتح الباب أمام تعميق الفوارق الاجتماعية وإعادة إنتاج أشكال جديدة من التمييز، خاصة إذا ظل تطوير هذه التقنيات محصورًا داخل دوائر معرفية أو جغرافية ضيقة. فغياب التعددية في مصادر البيانات أو في تمثيل مختلف الفئات الاجتماعية داخل عمليات البرمجة قد يؤدي إلى ترسيخ تحيزات غير مقصودة داخل الخوارزميات، ما ينعكس على فرص الأفراد في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
ودعا المسؤول ذاته إلى ضرورة إدماج الاعتبارات الأخلاقية منذ المراحل الأولى لتصميم الأنظمة الذكية، معتبرًا أن التكنولوجيا لا يمكن فصلها عن السياق الإنساني الذي تعمل داخله. وشبّه المخاطر المحتملة لغياب الضوابط التنظيمية بتراكم قوة تقنية قد تتجاوز قدرة المجتمع على توجيهها أو التحكم في آثارها المستقبلية، مما قد يخلق اضطرابات في المجالين الاجتماعي والمعرفي.
كما شدد على أهمية توسيع دائرة المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي لتشمل مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والأقليات والمناطق الأقل تمثيلًا داخل دوائر صناعة القرار التكنولوجي، حتى لا تتحول هذه الأنظمة إلى أدوات لإعادة إنتاج الهامشية أو تضييق فرص التعبير والمشاركة.
وفيما يتعلق بالتحديات المرتبطة بالمعلومات، أشار إلى أن انتشار المحتوى المضلل وخطابات الكراهية عبر المنصات الرقمية قد يسهم في تفكيك الروابط الاجتماعية وخلق مجتمعات منعزلة معرفيًا، حيث يعيش كل فرد داخل دائرة معلوماتية مغلقة تعزز قناعاته المسبقة بدل توسيع أفق تفكيره النقدي.
وأكّد أيضًا أن تنظيم مجال الذكاء الاصطناعي يجب أن يستفيد من تجارب قطاعات أخرى تخضع لرقابة صارمة، مثل الصناعات الدوائية، حيث تُلزم الشركات بإجراء اختبارات دقيقة لتقييم أثر منتجاتها على صحة الإنسان قبل طرحها في الأسواق، حفاظًا على السلامة العامة وتقليل المخاطر المحتملة.
وفي ظل تصاعد النفوذ الاقتصادي والتقني لشركات التكنولوجيا الكبرى، دعا إلى توظيف هذا النفوذ في مسارات التنمية الإنسانية والتعليم والصحة، بدل استخدامه في إنتاج أدوات الصراع أو نشر المعلومات المضللة أو تعزيز أشكال العنف الرمزي والمادي داخل المجتمعات.
واختتم المسؤول الأممي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي مرهون بقدرة البشرية على بناء رؤية مشتركة توجّه التطور التكنولوجي نحو خدمة الإنسان، محذرًا من أن غياب هذه الرؤية قد يقود العالم إلى مزيد من الاستقطاب والصراعات التي قد تفقد الإنسان قدرته على التحكم في مساراته الحضارية.





