‏آخر المستجداتلحظة تفكير

أحمد عصيد: المغرب وإفريقيا، ما وراء الكان

من  الواضح أن المغرب والسنغال يحاولان على المستوى الرسمي حاليا رأب الصدع الذي أدت إليه أحداث رياضية لم تكن في مستوى دورة “الكان” الأخيرة. هذه الجهود تعكس أن السنغال حليف رئيسي للمغرب، كما تظهر أن المغرب لا يسمح بإفساد كل الجهود السابقة التي بذلها داخل القارة السمراء، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي.

لقد شكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم في كرة القدم حدثًا رياضيًا بارزًا، لكنه في الواقع تجاوز البعد الرياضي الصرف ليكتسب دلالات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ترتبط أساسًا بعلاقة المغرب بإفريقيا وبمسار إعادة تموقعه داخل القارة. فاختيار المغرب لاحتضان هذا الحدث يعكس ثقة إفريقية متزايدة في قدراته التنظيمية والبنيوية، كما يعكس في الآن نفسه نجاح دبلوماسيته في ترسيخ حضوره كشريك موثوق داخل الفضاء الإفريقي، بعد سنوات من العمل المنهجي على إعادة بناء العلاقات جنوب-جنوب، ومن ذلك استثمارات البنوك المغربية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، واقتراح المغرب لمشروع المبادرة الأطلسية 

كاستراتيجية لربط دول الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) بالمحيط الأطلسي عبر بنية تحتية برية وطرق، مما يمنحها منافذ بحرية للتجارة والتنمية.

ومن الناحية السياسية، يأتي تنظيم كأس إفريقيا للأمم في سياق استراتيجي يتسم بعودة قوية للمغرب إلى إفريقيا، خاصة بعد رجوعه إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضوره في عدد من التكتلات الإقليمية بعد غياب دام ما يقرب من ثلاثين سنة بسبب انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية. الحدث الرياضي هنا تحول إلى أداة من أدوات “القوة الناعمة”، حيث يتيح للمغرب تقديم صورته كدولة مستقرة، منفتحة، وقادرة على جمع الأفارقة حول مشروع مشترك. كما يوفر فرصة لتعزيز شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية، عبر استقبال وفود رسمية وشعبية من مختلف الدول الإفريقية، بما يرسخ منطق التعاون بدل منطق التنافس أو الصراع.

اقتصاديًا، مثل تنظيم كأس إفريقيا للأمم رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية، فالبنيات التحتية المرتبطة بالملاعب، والنقل  والسياحة، والخدمات، لا تستجيب فقط للحدث الآني، بل تشكل استثمارًا طويل الأمد يعزز جاذبية المغرب الاقتصادية داخل القارة. كما أن الحضور المكثف لرجال أعمال ومستثمرين أفارقة يفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الأبناك، الطاقات المتجددة، الفلاحة، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات راكم فيها المغرب تجربة معتبرة في التعاون الإفريقي.

غير أن البعد الأعمق لهذا الحدث يظل مرتبطًا بسؤال الوعي الجماعي للمغاربة بانتمائهم الإفريقي. فعلى الرغم من أن المغرب ينتمي جغرافيًا وتاريخيًا إلى إفريقيا، إلا أن هذا الانتماء لم يكن دائمًا حاضرًا بقوة في الوعي الشعبي، بسبب عوامل تاريخية وثقافية، من بينها الإرث الاستعماري، وهيمنة التوجه المتوسطي-الأوروبي في السياسات العمومية والتمثلات الاجتماعية. تنظيم كأس إفريقيا للأمم شكل فرصة رمزية وثقافية لإعادة طرح سؤال الهوية الإفريقية للمغرب، ليس كشعار سياسي، بل كمعطى تاريخي وحضاري وإنساني.

وعي المغاربة بإفريقيتهم لا يقتصر على متابعة المباريات أو تشجيع المنتخبات، بل يفترض معرفة أعمق بتاريخ القارة، بتنوعها الثقافي، وبالتحديات المشتركة التي تواجه شعوبها، وهذا كله يسمح بالتعالي على المشاعر السلبية والهياج العاطفي الذي عرفته المباراة النهائية بين المغرب والسنغال، كما أنه الهدف الرئيسي لبلاغ الديوان الملكي الصادر بالأمس.

إن الحدث الرياضي يمكن أن يلعب دورًا تربويًا وإعلاميًا إذا ما تمت مواكبته بنقاشات فكرية وثقافية، وبرامج إعلامية تعرف بالمجتمعات الإفريقية وتبرز القواسم المشتركة بينها وبين المجتمع المغربي. فإفريقيا ليست فقط فضاءً اقتصاديًا أو سياسيًا، بل هي مجال حضاري غني بالتجارب الإنسانية.

في المحصلة، فإن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم ليس مجرد إنجاز رياضي أو تنظيمي ناجح، بل هو محطة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء علاقة متوازنة مع إفريقيا، تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل. كما يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المغاربة على استيعاب عمق انتمائهم الإفريقي، وتحويل هذا الوعي إلى عنصر قوة ثقافية وسياسية واقتصادية. 

نجاح هذا الحدث  إذن، لا يقاس فقط بنتائج المباريات، بل بمدى ما يتركه من أثر دائم في تمثلات المغاربة لإفريقيا ولمكانتهم داخلها.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button