
ما هي حدود التديّن التي لا تضرّ بالمواطنة القائمة أساسا على المساواة التامّة بناء على قاعدة الإنسانية ؟
إنه سؤال محوري لا شك أنه يُطرح في كل بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط بدرجات متفاوتة من الاهتمام لدى النخب المفكرة، ولدى الحركات الحقوقية التي واجهت بمرارة وعلى مدى سنوات طويلة “فيتو” استعمال الدين في مواجهة المطالب الحقوقية الأساسية التي رفعتها قوى حية مناضلة من أجل التحرّر والمساواة.
تعني “المواطنة” المشاركة في الوطن باعتبار جميع أعضاء المجتمع متساوين من حيث هم بشرٌ ينعمون بالحرية والكرامة، وذلك بغض النظر عن ألوانهم أو عقائدهم أو جنسهم أو أنسابهم أو ألسنهم، حيث يعتبرون جميعا مواطنين متساوين من حيث المبدأ في الحقوق والواجبات أمام القانون، وكل تمييز بينهم بأحد العناصر المشار إليها يعتبر مسّا بكرامتهم وبمواطنتهم.
ويعني “التدين” ـ الذي هو مفهوم سوسيولوجي ـ نمط استعمال الدين في الحياة اليومية سواء في السلوك أو التفكير والوعي، بدءا بطريقة فهم الدين وكيفية تفسيره وتأويله وانتهاء بكيفية ممارسته في شرائعه وطقوسه وتطبيقاته في المجالات المختلفة السياسية والاجتماعية والقانونية والأخلاقية. فإذا كان الدين هو النصوص الأصلية التي تعتبر منبعا للعقائد والشرائع فإن “التدين” هو كيفية تحويل تلك النصوص إلى ممارسات اجتماعية وتقاليد وعادات وأنماط وعي وتفكير. وإذا كان الدين ممثلا في نفس النصوص فإن التدين يختلف من منطقة إلى أخرى ومن سياق تاريخي واجتماعي إلى آخر حيث يكتسي الدين طابعا خصوصيا حسب تأثير العوامل المحيطة.
وإذا كان السوسيولوجيون والدارسون قد اهتموا بمفهوم التدين من أجل فهم السياقات الاجتماعية لهذا الدين أو ذاك وتفسير العديد من السلوكات والأفكار المعتمدة من طرف الأفراد والجماعات، فإن المتدينين الممارسين لأنماط التدين يعتبرون ـ كل واحد على حدة ـ بأن تدينهم هو الدين نفسه، أي هو النموذج الأمثل للدين، مما يؤدي إلى الكثير من القلاقل والتطاحنات التي لم تتوقف في بلاد المسلمين منذ قرون طويلة، بسبب تعدّد المذاهب والفرق والقراءات.
من الناحية النظرية وبالمعنى المشار إليه يبدو واضحا أن معنى التديّن ليس بالضرورة مضادا لمفهوم المواطنة، حيث يمكن للمواطن الفرد المستقل بذاته والمتمتع بكل حقوقه والذي يضطلع بواجباته كذلك، أن يكون متدينا، إذ لا تتعارض المواطنة مع الحق في اعتناق الأديان الذي يدخل ضمن الحريات الفردية، وهذا أمر بديهي يجعلنا نطرح السؤال متى يصبح نمط التدين السائد والمعتمد في مجتمع ما متعارضا مع حقوق المواطنة كما هو الشأن في منطقتنا ؟
من المعلوم أن نمط التدين السائد في بلدان المنطقة المشار إليها كلها يتصف بأربع خصائص مضادة للمواطنة:
ـ أنه نمط تدين يعتبر “نظاما عاما” يخضع له الجميع داخل نفس المجتمع، كما يُعتبر منبع الشرعية السياسية والمحدّد الرئيسي لسُلم القيم، ولا يقف عند حدود التدين الشخصي. مما يجعل منه أساس مناخ سلطوي يحرم المواطنين من أول قيمة يحتاجون إليها وهي الحرية.
ـ أنه تدين يعتبر الفرد خاضعا للجماعة وذائبا فيها، فهو عضو في “جماعة المسلمين” ولا قيمة له بغير ذلك، أي بوصفه فردا مستقلا، ما يعني أنه مميز عن الأفراد الذين لا ينتمون معه لنفس “الجماعة”، والذين إما أنهم يعتنقون ديانات أخرى أو أنهم “لا دينيون” أو “ملحدون” أو “ربوبيون” أو “لا أدريون” إلخ..
فالمبدأ الديني الرئيسي في هذا النمط هو ضرورة تضامن المسلمين وتعاونهم فيما بينهم، حيث تغيب رابطة المواطنة التي تأخذ بعين الاعتبار جميع أعضاء الدولة، مما يؤدي إلى سلوكات عنصرية كثيرة وإلى عنف كبير داخل المجتمع.
ـ أنه تدين لا يساوي بين المسلم وغير المسلم، بين المؤمن وغير المؤمن، بل يعتبر التمييز بينهم من صميم العقيدة، ما يجعلهم متفاوتين في قيمتهم وفي نظام الأولويات، وهو مبدأ يتنافى كليا مع مبدأ المساواة الحديث في إطار المواطنة. والمشكل أن هذا التمييز بين المواطنين بسبب العقيدة لم يعُد له مبرّر في ظل الدولة الحديثة لأن الدولة الدينية القديمة كانت تفصل بين النظام القانوني للمسلمين وتُميز غير المسلمين بنظام يسمى “أهل الذمة”، وهو نظام لم يعُد ساري المفعول بسبب قسوته البالغة، لكن في نفس الوقت لم يتم تعويضه بنظام قانوني حديث يساوي بين الجميع دون تمييز، حيث تتبنى الدول المشار إليها أنظمة قانونية هجينة تخلط بين نصوص شرعية ونصوص وضعية علمانية.
ـ أنه نمط تدين يخلق مشكلا قانونيا جوهريا وهو جمود القوانين وثباتها وعدم ملاءمتها لواقع الأفراد المختلفين بسبب عدم حيادها، وكذا عدم مواكبتها للتحولات المجتمعية.
نأتي إلى الجواب الذي طرحناه في بداية المقال فنقول: إن حدود التدين التي لا ينبغي تجاوزها إلى المسّ بحقوق المواطنة وأولها الحريات والمساواة هي حدود التديّن الشخصي، التي لا تجعل من الدين نظاما عاما ولا وسيلة للسيطرة أو الضبط والمراقبة الاجتماعية ولا للعمل السياسي، حيث على نمط التدين المعتمد أن يُظهر قدرا من الحياد تجاه المؤسسات والحياة العامة، ويتم الاحتفاظ به في دائرة الحياة الخاصة، وهذا بحاجة إلى إنجاح مسلسل العلمنة الذي انطلق في مختلف هذه البلدان منذ عقود لكنه لم يكتمل بجميع مقوماته حتى الآن.





