
يشهد المغرب اليوم مشهداً مُقلقاً يتمثل في تحويل القضايا العادلة إلى مواسم استرزاق، وتفريغها من معناها الأخلاقي والتاريخي، وعلى رأسها القضية الأمازيغية ورأس السنة الأمازيغية التي تحوّلت، عند البعض، من ذاكرة حضارية جماعية إلى فرصة للمتاجرة الرمزية والمادية.
لم تعد السنة الأمازيغية، عند هؤلاء، لحظة اعتراف بالعمق التاريخي للمغرب، ولا مناسبة للتفكير في العدالة اللغوية والثقافية، ولا فرصة لإنصاف النساء والرجال الذين حفظوا الأرض واللغة والعادات عبر القرون. بل أضحت سلعة موسمية، تُرفع فيها الشعارات، وتُستدعى الخطابات الجاهزة، وتُلتقط الصور، ثم يُطوى كل شيء إلى السنة المقبلة، دون أثر حقيقي، ولا التزام، ولا مسؤولية.
الأخطر من ذلك أن هذا الاسترزاق الإيديولوجي لا يتم ببراءة، بل بوعي كامل؛ حيث ينتصر من خلاله المهيمنون ومن يدور في فلكهم، ممن أتقنوا ركوب كل موجة “وطنية” أو “هوياتية” متى سنحت الفرصة. هؤلاء لا تعنيهم الأمازيغية كحق، ولا الوطن كقيمة، ولا المرأة ككرامة، بل تعنيهم فقط الغنيمة: موقع، تمويل، حضور إعلامي، أو شرعية زائفة.
إن قضايا الشرفاء في هذا الوطن – من لغة وهوية وعدالة اجتماعية وإنصاف للنساء – أكبر من أن تُختزل في مهرجانات سطحية أو خطابات مناسباتية. وهي أنبل من أن تُستعمل كوقود لصراعات إيديولوجية بائسة أو كوسيلة لإشباع جوع رمزي عند صعاليك السياسة والثقافة.
القضية الأمازيغية ليست زينة احتفالية، وليست شعاراً يُرفع عند الحاجة ويُخفى عند أول اختبار. هي مسؤولية تاريخية، تتطلب صدقاً، وعملاً مؤسسياً، واحتراماً للعقل وللذاكرة الجماعية. وكل من يحوّلها إلى تجارة، إنما يسيء إليها وإلى الوطن معاً.
في النهاية، لا خطر على القضايا العادلة أكبر من أولئك الذين يدّعون الدفاع عنها وهم في الحقيقة يقتاتون منها. فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تنسى، والوطن – مهما طال الصمت – يميّز بين من خدمه بصدق، ومن اتخذه سوقاً مفتوحاً للاستغلال.





