‏آخر المستجداتفنون وثقافة

إياد البرغوتي وإعادة قراءة الثورة كتحرير حضاري

كتب: د مصطفى غلمان ـ

لا يكفّ المفكر الفلسطيني الدكتور إياد البرغوتي عن استدعاء ذلك القلق الصيروري الذي يوقظ الفكر من سباته، عبر حفرٍ عميق في مكر التاريخ وجرأته، ساعيا إلى تفكيك بعض من كينونة الحلم العربي، وإعادة مساءلته على ضوء التحولات العاصفة التي يعيشها العرب اليوم، وسط صدامات حضارية مفتوحة ومواجهات فقدت كل ضوابطها. وقد كنتُ قد لامست جانبا من مشروعه الفكري من خلال قراءتي لكتابه المتفرّد «من فلسطين إلى الفلسطينزم – قول في الوعي والمعنى»، متذوّقا مرتكزات رؤيته وانحيازه إلى نظرية ثورية تنبثق من داخل باراديغم الثقافة نفسها، بوصفها محرّكا للوحدة العربية ومُدبّرا لصيرورتها، وأثرها العميق في التاريخ والمدينة، في مواجهة وجود بات مهدّدا في جوهره.

غير أن عودتي إلى حواري مع البرغوتي في برنامج خاص في كش بريس – Kechpresse.com، الذي لم يتجاوز ساعة زمنية، أعادت فتح أسئلتي على شراسة الآخر وتغوّله في تصفية ما تبقى من دهائنا المحاصر والمقموع، على إيقاع الحرب الإبادية المستمرة على غزة. عندها أدركت أن الرجوع إلى نصّه العميق، الذي شكّل أساس ذلك الحوار، ليس ترفا قرائيا، بل ضرورة فكرية، قادرة على كشف دوافع هذه العودة وإعادة ترتيب أسئلتها.

فمشروع البرغوتي المؤسس على أطروحة “تحرير الشرق”، يتقاطع في معناه مع استقلالية الوحدة والهوية، لا باعتبارهما معطيين منفصلين، بل كمسار واحد للرؤية والوجود. إذ لا يمكن في أفق تصوره، استدعاء بعثٍ جديد لإمبراطورية الشرق من دون العبور أولا عبر مقاومة الاستبداد الفكري، بوصفه الأصل الخفي للاستبداد العسكري، والممر الإجباري لكل تحرر ممكن.
أعود، إذن، إلى هذا الكتاب المفصلي “تحرير الشرق: نحو إمبراطورية شرقية ثقافية”، لا بوصفه نصا يُقرأ، بل أفقا يُسكن الفكر ويستفزه، انطلاقا من يقين راسخ لديّ بأن النهضة الشرقية لا تُستدعى من خارج فعل التحرير، بل تُولد في صميمه. فالتحرير هنا ليس شعارا ولا لحظة انفجارية عابرة، بل فعل مصيري، يُعاد من خلاله توجيه الثورة من مجرد اندفاع احتجاجي إلى ملاذ آمن للفعل الحضاري، لا إلى آلية لإعادة إنتاج التكريس بأقنعة جديدة.

إنه تحرير يعيد للثورة معناها الأنطولوجي، ويحررها من استهلاكها الخطابي، ليجعلها قادرة على تثمين الوحدة الوجودية، تلك التي تشدّ أوصال الحاضر، وتفتح جراح الماضي لا لتعيد نزفها، بل لتفهمها، وتحوّلها إلى وعي، وتُحصّن إمكان تحقق المستقبل بوصفه فعلا ممكنا لا وعدا مؤجلا. ففي هذا الأفق، لا تعود الوحدة شعارا عاطفيا، بل شرطا للوجود الفاعل، ولا يعود الزمن سلسلة انقطاعات، بل نسيجا متصالحا مع ذاته، قادرا على تحويل الألم إلى معرفة، والهشاشة إلى قوة دافعة، والمعنى إلى أفق مفتوح على الفعل والتاريخ.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button