
كش بريس/التحرير ـ في لحظة تأملية، حين يلتقي الماضي بالحاضر، وتتعانق الذاكرة بالمعرفة، تجسّد ملتقى “مراكش ألفية الأعلام والعمران” فضاءً للتأمل في عمق الحضارة المغربية، وتفكيك مكوناتها الفكرية والفنية والتاريخية. فليس الهدف مجرد الاحتفاء بالأسماء والأماكن والأزمنة، بل قراءة تراثنا من زاوية تُعيد توطينه في حياتنا اليومية، وتوجيهه نحو تعزيز الانتماء والفخر والوعي، بما يجعل المعرفة التاريخية مصدراً للإبداع والممارسة الراهنة.

في دورتها الثانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة جامعة القاضي عياض، شدد الأمين العام الدكتور أحمد شحلان على أهمية توحيد الرؤية حول مقومات الحضارة المغربية والعمران المحلي، وتقديمها كمسار معرفي يربط بين التربية والفكر والفن. كما دعا إلى توظيف برامج مؤسسة أحمد شحلان للدراسات والأبحاث في معارف الغرب الإسلامي في معالجة قضايا الراهن، مع الحفاظ على حضور الشباب ومكانتهم في اكتساب هذه المعارف.

شهدت القاعة الكبرى للندوات تكريماً لعدد من علماء ومبدعي المدينة المراكشية، في ميادين متنوعة: الجامعة (البروفيسور امحمد مالكي، عبد العالي الفقير، مصطفى عيشان)، الهندسة والمعمار (سعاد بلقزيز، محمد مكريف)، الإعلام والفن (مصطفى غلمان، حسن بنمنصور، محمد حمادا)، القضاء والمحاماة (رشيدة العسول، نعيمة الصديقي، عبد الرفيع جواهري، محمد بلهاشمي التسولي)، الطب والربابنة (سعيد ايت بنعلي، كوثر بنعطية)، والسياسة والدبلوماسية (السفير المكي كوان، حسن بنعدي).

كما شملت الفعاليات جلسات علمية ومداخلات فكرية، أبرزها محاضرة الدكتور محمد الكنيدري حول القيمة التاريخية والفكرية لجامعة القاضي عياض، والأديب والمؤرخ الدكتور محمد رابطة الدين مع المهندس المعماري محمد مكريف حول الصومعة العظيمة لمسجد الكتبية، قراءة في الزمن والفن والبناء، مستندة إلى دراسات الفرنسيين هنري تيراس وهنري باسيه، مع إضافات غاستون ديفردان، لتسليط الضوء على عبقرية العمارة الموحدية.

تضمن برنامج الملتقى أيضاً حلقات حوارية مع المكرمين من الفنانين والإعلاميين، لاستشراف دور التجربة العملية في صناعة الفعل الثقافي والفني، بينما أضاءت كلمات النقيب عمر أبو الزهور والمحامي عبد الصمد الطعارجي على مسار النساء في القضاء، وأهمية قراءة التاريخ القضائي لتوجيه الحاضر. وفي ختام الفعاليات، قدم الدكتور الجراح جمال الدين الأحمدي دراسة عن الأوبئة في المغرب عبر العصور، مع التركيز على دور الظروف الاجتماعية والسياسية في انتشار الأمراض منذ فترة ما قبل الاستعمار وحتى الحرب العالمية الثانية، وارتباطها بالأزمات الفلاحية والجفاف.

وقد تميز الملتقى كذلك بعرض تجارب دبلوماسية حية، من خلال مداخلة السفير المكي كوان، التي جسدت العلاقة بين المعرفة التاريخية والجهوزية الميدانية، وإدراك دور الميدان في صياغة صيغ العمل الدبلوماسي الوطني، بالتوازي مع الاعتزاز بالزمن الذهبي للمسيرة الوطنية.

في المحصلة، شكّل ملتقى “مراكش ألفية الأعلام والعمران” فضاءً للتأمل المعرفي، حيث تتقاطع الذاكرة مع الإبداع، والتاريخ مع الحداثة، والفكر مع الممارسة العملية، ليصبح التراث مرآة نتعرف من خلالها على حاضرنا، ونستشرف به مستقبلاً حضارياً يرتكز على الانتماء والوعي والقدرة على التجديد.

إن ما جسده ملتقى “مراكش ألفية الأعلام والعمران” ليس مجرد احتفاء بالتراث أو استذكار لشخوص وأمكنة وأزمنة، بل هو دعوة صريحة لإعادة قراءة التاريخ بطريقة تؤهلنا لصناعة المستقبل. هنا تتقاطع المعرفة بالانتماء، والفكر بالعمل، والإبداع بالوعي، لتتحول القيم الحضارية إلى أفعال يومية تُنمّي الفرد وتُثري المجتمع. إن استشراف المستقبل الحضاري المغربي، في ضوء هذا التراث، يتطلب جرأة على التجديد، وقدرة على ربط الموروث بالمعاصرة، مع الحفاظ على روح الأصالة وهويتها الخاصة. وفي هذا السياق، يصبح كل مشروع ثقافي وفني وفكري أداة لإشاعة الفخر، وتعميق الانتماء، وصناعة نهضة معرفية قادرة على تحويل الرؤى إلى واقع حيّ، يحاكي المستقبل ويستبصره. فالملتقى إذ يختتم فعالياته، يترك فينا رسالة حماسية واضحة: أن التاريخ ليس مجرد الماضي، بل هو منصة للإبداع، والوعي، والانطلاق نحو أفق من الإمكانات غير المحدودة.







