
كش بريس/خاص ـ قريبا على كش بريس – Kechpresse.com
قادته الأقدار في مسارٍ يشبه التيه الجميل، حتى غدا أحد الأسماء البارزة في الفنون التشكيلية العربية، وكأن رياح الحياة كانت تُعيد ترتيب وجهته بهدوء، فتستبدل مساراً علمياً كان يمكن أن يقوده إلى عوالم الفيزياء، بآخر يفيض بالألوان والرموز والإحساس. من بغداد، حاضرة العقل العربي وذاكرته الممتدة، حمل ملامح حضارةٍ صنعت أسئلتها قبل أجوبتها، وغادرها كما يغادر الإنسان يقينه الأول، حاملاً معه بذور دهشةٍ لا تخبو.
في تلك المسافة الفاصلة بين الشرق والغرب، بين المعادلة والصورة، انبثقت مراكش كنداءٍ خاص، مدينة لا تُكتشف بقدر ما تُستشعر، ولا تُرى بقدر ما تُعاش. هناك، بين ألوانها المتداخلة، وأضوائها التي تتسلل إلى الروح، وأصواتها التي تشبه همساً قديماً، وجد الفنان ضالته في الانصات إلى ما لا يُقال. تحولت الأزقة إلى مسالك تأمل، وتحولت الجدران إلى صفحات، والضوء إلى لغةٍ أخرى تُعيد تعريف الجمال.
في هذا التحول، تتبدى ملامح رحلة إنسانية عميقة، حيث تتقاطع الذاكرة بالحلم، ويجاور الماضي الحاضر في تناغم خفي. فالفن هنا ليس ممارسة جمالية فحسب، بل طريقة في فهم العالم، وإعادة صياغته وفق حساسية داخلية تتجاوز الحدود التقليدية للمعرفة. وكأن الفنان يستعيد من خلال لوحاته قدرة الإنسان على الإصغاء لما يتوارى خلف الأشياء، وعلى التقاط المعنى في تفاصيل تبدو عابرة.
طه سبع، في هذا السياق، يقدّم نموذجاً لتجربة تتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى أفق أوسع، حيث يتحول المسار الفردي إلى مرآةٍ لأسئلة الإنسان الكبرى: عن الهوية، والانتماء، والمعنى. تجربة تُظهر كيف يمكن لمدينة أن تُعيد تشكيل وعي، وكيف يمكن للحظةٍ أن تُبدّل مسار حياة، دون أن تُفقدها جذورها الأولى.
وفي الاقتراب من عالمه، تنفتح فرصة الإنصات إلى قصة تُحكى بالألوان بقدر ما تُروى بالكلمات، قصة تُجسد كيف يمكن للإنسان أن يصغي إلى نداءٍ داخلي، فيمنح لحياته اتجاهاً آخر، ويترك للأقدار مساحةً كي تكتب فصلها الخاص في سيرته.





