
كش بريس/التحرير ـ في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي وتزايد منطق الصراع بين القوى الكبرى، تثار تساؤلات متنامية حول طبيعة صناعة القرار الاستراتيجي في واشنطن وحدود الرقابة المؤسسية على استخدام القوة العسكرية. وفي هذا السياق، اعتبرت صحيفة فايننشال تايمز في افتتاحية تحليلية أن المقاربة التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعاطيه مع التصعيد ضد ايران تكشف عن تحولات عميقة داخل بنية الأمن القومي الأمريكي، قد تفضي إلى إضعاف آليات الضبط والتوازن التي لطالما ميزت النظام السياسي في الولايات المتحدة.
وترى الصحيفة أن قرار اللجوء إلى الخيار العسكري اتُّخذ في غياب تصور استراتيجي واضح للأهداف أو لسيناريوهات ما بعد التصعيد، وهو ما يثير شكوكا حول مدى خضوع قرار الحرب للرقابة الدستورية التقليدية داخل الولايات المتحدة. فوفق المنطق الكلاسيكي لإدارة الأزمات الدولية، ينبغي أن يبقى استخدام القوة العسكرية الخيار الأخير بعد استنفاد البدائل الدبلوماسية والسياسية، غير أن الإدارة الأمريكية – بحسب التحليل – لم تكتف بعدم استنفاد هذه البدائل، بل أضعفت كذلك الأدوات المؤسسية القادرة على تقييمها أو تطويرها.
وتشير الافتتاحية إلى أن الحرب تركت انعكاسات عميقة على بنية جهاز الأمن القومي الأمريكي، الذي وجد نفسه – بحسب الصحيفة – أقل قدرة على إدارة الصراعات المعقدة نتيجة التغييرات التي مست مؤسساته. فالإدارة الثانية لترامب، وفق القراءة ذاتها، سعت إلى تقليص مساحات المعارضة داخل دوائر القرار الأمني، مفضلة معيار الولاء السياسي على الخبرة التراكمية التي راكمتها المؤسسات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية عبر عقود.
وفي هذا السياق، جرى الاستغناء عن آلاف الدبلوماسيين والموظفين المدنيين أو استبدالهم، ما أدى – بحسب الصحيفة – إلى فقدان جزء مهم من “الذاكرة المؤسسية” التي كانت تساعد على تفادي الأخطاء الاستراتيجية في لحظات التوتر الجيوسياسي.
وتبرز هذه المقاربة بشكل واضح في إدارة الملف النووي الإيراني، حيث أوكل الرئيس الأمريكي المفاوضات الحساسة المتعلقة باتفاق نووي جديد إلى مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنير، رغم أن كليهما لا يمتلك خبرة تقنية في قضايا الانتشار النووي، فيما جرت المفاوضات دون إشراك الخبراء الفدراليين المتخصصين في هذا المجال.
كما شهدت وزارة الخارجية الأمريكية، في ظل إدارة ماركو روبيو، موجة واسعة من إعادة الهيكلة، شملت تسريح أكثر من 1300 موظف خلال شهر يوليوز الماضي، بينهم عدد كبير من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط. وفي ديسمبر من العام نفسه، استدعى البيت الأبيض نحو ثلاثين سفيرا، ما ترك ما يقارب ثمانين منصبا دبلوماسيا شاغرا، بما في ذلك مواقع حساسة في دول خليجية حليفة مثل السعودية وقطر والإمارات، وهي دول كانت تدعو إلى ضبط النفس في مواجهة طهران.
وفي المشهد الإقليمي ذاته، يشغل السفير الأمريكي في إسرائيل Mike Huckabee موقعا بارزا، وهو معروف بمواقفه الداعمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما يضيف – وفق التحليل – بعدا سياسيا إضافيا إلى مواقف واشنطن في المنطقة.
وتضيف الصحيفة أن تركيز السلطة داخل هرم القرار الأمني تعزز أكثر منذ مايو الماضي، حين جمع ماركو روبيو بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، وهو ما أدى إلى دمج مهام تنفيذ الدبلوماسية مع مهام تنسيق المعلومات الاستخباراتية وتقييم الخيارات الاستراتيجية. وبالتوازي مع ذلك، جرى تقليص عدد موظفي مجلس الأمن القومي، الأمر الذي قد يفسر – بحسب الصحيفة – غياب اختبارات التقييم الصارمة التي تخضع لها عادة القرارات العسكرية الكبرى.
ورغم القوة التدميرية للضربات العسكرية الأمريكية، تشير الافتتاحية إلى غياب تخطيط واضح لاحتمالات التصعيد الإقليمي، مثل إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط في العالم.
أما داخل وزارة الدفاع الأمريكية، فقد أشرف الوزير Pete Hegseth على سلسلة من الإصلاحات شملت تخفيضات كبيرة في القوى العاملة، من بينها إبعاد عدد من قضاة القضاء العسكري الذين يتولون تقديم المشورة القانونية بشأن شرعية الأوامر القتالية. كما جرى تقليص دور مركز التميز لحماية المدنيين، وهو جهاز أنشأه الكونغرس لمساعدة المخططين العسكريين على الحد من الخسائر في صفوف المدنيين خلال العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، أثارت ضربة صاروخية أمريكية يُعتقد أنها أصابت مدرسة للبنات داخل إيران وأدت إلى سقوط عشرات الأطفال، تساؤلات واسعة حول مدى دقة المعلومات الاستخباراتية أو طبيعة آليات التقييم العملياتي داخل المؤسسة العسكرية. وقد ربط عدد من المنتقدين، بمن فيهم مسؤولون ديمقراطيون بارزون، بين هذه الحادثة وبين تركيز البنتاغون المتزايد على خطاب “روح المحارب” داخل المؤسسة العسكرية.
وتخلص الصحيفة إلى أن تراجع الاعتبارات المرتبطة بحماية المدنيين يعكس توجها أوسع لدى القيادة السياسية الأمريكية نحو إعطاء الأولوية لسرعة الحسم العسكري على حساب النقاشات القانونية والأخلاقية المرتبطة بشرعية استخدام القوة.
وفي المحصلة، ترى الافتتاحية أن الولايات المتحدة – التي طالما وُجهت إليها انتقادات بتطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي – تبدو اليوم أكثر ميلا إلى تبني تصور للعلاقات الدولية يقوم على منطق القوة المباشرة، في ابتعاد ملحوظ عن المقاربات التي حاولت في أزمات سابقة، مثل حرب Iraq War، الحصول على تفويض دولي أو غطاء تشريعي داخلي.
وبذلك، تشير الصحيفة إلى أن السعي إلى تحرير القرار العسكري من القيود المؤسسية قد يمنح الإدارة الأمريكية هامشا أكبر من الحركة في المدى القصير، لكنه في المقابل قد يقوض قدرة واشنطن على توظيف قوتها الاستراتيجية بفعالية واستدامة داخل نظام دولي يزداد تعقيدا وتنافسا.





