
كش بريس/وكالات ـ في قلب التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم تعد صناعة التكنولوجيا العالمية تقف على أرض صلبة، بل تغدو أكثر هشاشة أمام ارتدادات الصراعات الممتدة. فكلما طال أمد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعمّقت الاختلالات في بنية الاقتصاد العالمي، وبرزت ملامح تباطؤ قد يرقى إلى ركود حاد، تغذّيه فوضى متزايدة في سلاسل الإمداد التي تقوم عليها الصناعات الدقيقة.
وفي خضم هذه الاضطرابات، تلوح أزمة صامتة لكنها بالغة التأثير: نقص غاز الهيليوم. هذا العنصر الذي يبدو هامشياً للوهلة الأولى، يتحول إلى نقطة ارتكاز حاسمة في صناعة الرقائق الإلكترونية، العمود الفقري لكل ما هو رقمي—من الهواتف الذكية إلى الحواسيب، وصولاً إلى السيارات الكهربائية. تقرير لموقع «أويل برايس» يشير إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يهدد بشكل مباشر استقرار إنتاج أشباه الموصلات، نتيجة اضطراب تدفقات الهيليوم، الذي يُعدّ مادة لا غنى عنها في عمليات التصنيع الدقيقة.
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند حدود الطاقة التقليدية، بل تمتد إلى قطاعات غير متوقعة، حيث تتعرض شبكات التوريد العالمية لاهتزازات عميقة. هذه الاضطرابات قد تؤدي إلى تأخيرات كبيرة في إنتاج الرقائق، ما لم تُفتح قنوات تفاهم بين القوى الكبرى تعيد انسيابية التجارة وتحمي الممرات الحيوية.
تكمن أهمية الهيليوم في خصائصه الفريدة: فهو عنصر خامل كيميائياً، يحدّ من مخاطر التلوث خلال التصنيع، كما يُستخدم في خلق بيئات فراغية مستقرة خلال عمليات الطباعة الحجرية، ويؤدي دوراً أساسياً في تبريد المواد وتقليل الإجهاد الحراري الذي قد يفسد دقة الرقائق. وإلى جانب ذلك، تتيح موصليته الحرارية المنخفضة تحكماً بالغ الحساسية في درجات الحرارة، بينما تسمح خفة ذراته بتوفير بيئات إنتاج فائقة النقاء، وهو ما يرفع من مستوى الدقة في تصميم الدوائر الإلكترونية. والأهم أنه، بخلاف غازات صناعية أخرى، لا يتوفر له بديل فعّال حتى الآن.
ويُستخرج الهيليوم أساساً كمنتج ثانوي من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل كبار مصدّري هذا الأخير هم أنفسهم مورّدين رئيسيين للهيليوم. لذلك، فإن أي اضطراب في هذه الأسواق ينعكس فوراً على الصناعات التكنولوجية. وتبرز كوريا الجنوبية وتايوان كقوتين محوريتين في هذا المجال، إذ تسهمان معاً بنحو 36% من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، بينما تعتمد شركات كبرى فيهما على واردات الهيليوم من الشرق الأوسط، خاصة من قطر.
غير أن توقف منشأة «رأس لفان» التابعة لشركة قطر للطاقة—والتي توفر قرابة ثلث الإمدادات العالمية—بعد هجمات بطائرات مسيرة، أدى إلى تراجع فوري بحوالي 30% في المعروض العالمي من الهيليوم. ويزداد الوضع تعقيداً مع الاعتماد الكبير على مضيق هرمز كممر حيوي لنقل هذه الموارد، وهو ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية في حال تعطله.
في المقابل، ورغم أن الولايات المتحدة تُعدّ أكبر منتج عالمي للهيليوم، فإن قدرتها على تعويض النقص المفاجئ تبقى محدودة على المدى القصير. أما روسيا، فرغم امتلاكها احتياطيات مهمة، فإن العقوبات المفروضة عليها منذ 2022 تجعل التعامل معها محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للمستثمرين.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد مخاوف شركات عملاقة مثل سامسونغ و«إس كيه هاينكس» و«تي إس إم سي» من اضطرارها إلى تقليص الإنتاج أو البحث عن بدائل أقل كفاءة، في وقت يشهد فيه الطلب العالمي على الرقائق ارتفاعاً مستمراً، مدفوعاً بثورة الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. هذا التناقض بين العرض المتراجع والطلب المتصاعد قد يدفع الشركات إلى إنتاج شرائح أقل ربحية لتلبية الأسواق، ما يهدد بتغيير توازنات الصناعة بأكملها.
وفي أفق مفتوح على الاحتمالات، يظل مصير هذه الأزمة رهيناً بمآلات الصراع. فإذا طال أمد الحرب، فإن اختلال إمدادات الهيليوم لن يكون مجرد أزمة عابرة، بل قد يتحول إلى عامل بنيوي يعيد رسم خريطة التكنولوجيا العالمية، ويدفع بأسعار أشباه الموصلات إلى الارتفاع، كأن العالم الرقمي نفسه أصبح رهينة لعنصر خفيف… لكنه ثقيل الأثر.





