‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

السامسة للتخطيط: تفكك المركز العائلي وإعادة تركيب الروابط

كش بريس/التحرير ـ لم تعد الأسرة المغربية ذلك الكيان المستقر الذي تُعرّفه الامتدادات القرابية والروابط الصلبة، بل أضحت فضاءً متحوّلًا، تتقاطع داخله تحولات الاقتصاد مع إكراهات العصر الرقمي، وتُعاد فيه صياغة المعنى الاجتماعي للعيش المشترك. ففي سياق تتسارع فيه وتيرة التغيير، لم تعد الأسرة مجرد وحدة اجتماعية، بل صارت مرآة دقيقة للتحولات العميقة التي تمس المجتمع المغربي في بنياته وقيمه وتمثلاته.

في هذا الإطار، تكشف المندوبية السامية للتخطيط، ضمن مذكرة صادرة في أبريل 2026 حول “الملخص الأولي للبحث الوطني حول الأسرة المغربية 2025”، عن ملامح انتقال بنيوي يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للأسرة. فقد ترسّخ نموذج الأسرة النووية بوصفه الشكل الغالب، إذ انتقل من 60.8% سنة 1995 إلى 73% سنة 2025، في مقابل تراجع واضح للأسرة الممتدة التي لم تعد تمثل سوى 19.8% بعد أن كانت 35.2%. ويوازي هذا التحول تقلّص حجم الأسرة، حيث انخفض متوسط عدد أفرادها إلى 3.9 سنة 2024، مقارنة بـ4.6 سنة 2014، في دلالة على انحسار البنيات العائلية الكبيرة لصالح وحدات أصغر وأكثر استقلالية.

ولا تقف هذه التحولات عند حدود البنية، بل تمتد إلى وظائف الأسرة وأدوارها. فقد ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء إلى 19.2%، مع هيمنة واضحة للأسر أحادية الوالد التي تقودها النساء بنسبة 90.7%، وهي وضعية تعكس دينامية اجتماعية جديدة، لكنها تكشف في الآن ذاته عن هشاشة اقتصادية وضغط متزايد على هذا النمط الأسري. وفي موازاة ذلك، تتنامى ظاهرة “العش الفارغ” لتبلغ 9.4%، في ارتباط مباشر بتقدّم العمر وغادرة الأبناء للبيت الأسري.

وعلى المستوى الديموغرافي، يتأكد التحول في تمثلات الزواج والإنجاب، حيث يعبّر أكثر من نصف العزاب (51.7%) عن عدم رغبتهم في الارتباط، فيما يرتفع متوسط سن الزواج الأول إلى 33.3 سنة لدى الرجال و26.3 سنة لدى النساء. كما يستقر معدل الخصوبة عند 1.98 طفل لكل امرأة، وهو مستوى دون عتبة تجديد الأجيال، مقابل تسجيل معدل طلاق يبلغ 3.6 في الألف سنويًا، مع تركز حالات الانفصال في السنوات الأولى من الزواج، بما يعكس هشاشة البدايات الزوجية في ظل شروط اجتماعية متغيرة.

أما على صعيد الروابط العائلية، فتُظهر المعطيات مفارقة لافتة بين الاتساع النظري لشبكات القرابة، التي قد تصل إلى 54 قريبًا، وبين تقلص دائرتها الفعلية إلى نحو 17 فردًا فقط. ورغم تراجع القرب الجغرافي، تستمر أشكال التضامن العائلي، خاصة في بعدها المالي والمهني، حيث تشارك 42.5% من الأسر في تبادلات داخلية، فيما تظل العائلة الحاضن الأساسي للعاطلين عن العمل بنسبة 58.7%. وقد لعبت الوسائط الرقمية دورًا في إعادة تشكيل هذه الروابط، إذ يرى 56.3% من المستجوبين أنها ساهمت في تقويتها رغم المسافات.

وفي ما يخص كبار السن، الذين يمثلون 13.8% من السكان سنة 2024، لا تزال الأسرة تحتفظ بوظيفتها الرعائية، حيث يعيش 59.3% منهم مع أحد الأبناء، بما يؤكد استمرار بعض الأدوار التقليدية للأسرة رغم تحوّل بنيتها. كما تكشف الدراسة عن حركية اجتماعية ملحوظة، إذ صرّح 62.2% من الأفراد بأنهم يعيشون أوضاعًا اجتماعية مغايرة لتلك التي عاشها آباؤهم، في اتجاه يغلب عليه الارتقاء.

غير أن هذه التحولات، على تعدد أوجهها، لا تعني قطيعة تامة مع الماضي، بقدر ما تكشف عن وضعية انتقالية مركّبة، تتعايش فيها أنماط قديمة مع أشكال جديدة من التنظيم الأسري. فبين تراجع الامتداد العائلي وصعود الفردانية، وبين استمرار التضامن وظهور الهشاشة، تبدو الأسرة المغربية وكأنها تعيد اختراع ذاتها داخل توازن دقيق، تحكمه مفاوضة مستمرة بين القيم الموروثة وإكراهات الواقع.

وهكذا، لا تعكس هذه المؤشرات مجرد تغيرات إحصائية، بل تؤشر إلى تحوّل عميق في معنى الأسرة ذاته: من بنية مغلقة وممتدة إلى فضاء مرن، تتحدد ملامحه بقدرته على التكيّف مع عالم سريع التحول. وهو ما يضع السياسات العمومية أمام تحدٍّ مزدوج: ليس فقط مواكبة هذه التحولات، بل التفكير في أفق جديد للأسرة، يحفظ تماسكها دون أن يعطل ديناميتها، ويصون وظائفها الاجتماعية دون أن يقيد تحرّرها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button