
كش بريس/خاص ـ في سياق أكاديمي يتقاطع فيه التفكير القانوني مع التحولات الرقمية المتسارعة، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة قلعة السراغنة، يوم الإثنين 30 مارس الجاري، لقاءً علمياً متميزاً أطره الباحث والإعلامي الدكتور مصطفى غلمان، حول موضوع: “العدالة الرقمية: هل يستطيع القانون مواكبة هيمنة المنصات؟”، وذلك في إطار الاحتفاء بصدور مؤلفه الجديد “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات”. وقد عرف هذا اللقاء حضوراً وازناً لثلة من الباحثين والأكاديميين، إلى جانب شخصيات دبلوماسية بارزة، من ضمنها قنصل المغرب بإمارة موناكو السيد أحمد بن سعدي، والسيد لوران أنسلمي، وزير العدل ووزير الخارجية السابق بإمارة موناكو، ورئيس ديوان الأمير ألبرت.

واستُهلت أشغال هذا اللقاء بكلمة افتتاحية ألقاها عميد الكلية الدكتور محمد الغالي، أبرز فيها راهنية الموضوع المطروح، مؤكداً أنه لا ينحصر في حدود العدالة القانونية بصيغها التقليدية، بل يمتد إلى مساءلة عميقة لموقع العدالة في عالم رقمي سريع التحول، تحكمه أنماط تقنية وهوياتية جديدة. وأشار إلى أن هذه التحولات تتقاطع مع سياقات عولمية متسارعة، تتسم بسيولة غير مسبوقة، وتنتج أشكالاً جديدة من التوترات الجيوسياسية والثقافية، مما يفرض إعادة التفكير في أسس التنظيم القانوني. كما شدد على أن طرح سؤال العدالة في هذا السياق يقتضي الحذر من مخاطر الأخبار الزائفة والجرائم المستحدثة، والدفع نحو بناء تقاليد قانونية قادرة على الاستجابة لهذه التحديات.

وفي السياق ذاته، جاءت مداخلة الدكتور سعيد عبد الرحمان بنخضرة، المنسق البيداغوجي لماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات، لتؤسس لرؤية تعتبر الرقمنة إطاراً شاملاً لإعادة بناء مفهوم العدالة، لا بوصفها معطى ثابتاً، بل كحقل دينامي يتفاعل مع التحولات الثقافية والإنسانية. وأبرز أن العدالة الرقمية ينبغي أن تُفهم ضمن أفق التداولية الرقمية، باعتبارها مجالاً يعيد تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، ويستدعي مقاربات متعددة التخصصات، قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع الجديد، بما ينسجم مع خصوصيات المجتمع وتطلعاته.
في هذا الأفق، جاءت محاضرة الدكتور مصطفى غلمان لتفتح أفقاً إبستمولوجياً عميقاً انطلاقاً من سؤال مركزي: هل ما يزال القانون قادراً على تنظيم العالم الرقمي، أم أن المنصات أصبحت الفاعل الذي يعيد كتابة قواعده؟ وقد بيّن أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد امتداد للعدالة التقليدية، بل تحولت إلى مفهوم مركب يشمل عدالة الولوج إلى التكنولوجيا، وعدالة الفرص داخل المنصات، وعدالة الخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتوزيع الانتباه.

وأكد أن المنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد وسائط تقنية، بل تحولت إلى سلطات فعلية تمارس أدواراً اقتصادية واجتماعية وتنظيمية، دون أن تخضع لنفس آليات المساءلة التي تخضع لها الدولة. وفي هذا السياق، استحضر التحول من “حكم القانون” إلى “حكم الكود”، حيث أصبحت الخوارزميات تمارس سلطة تقريرية تؤثر في الإدراك والسلوك، في غياب شفافية كافية.
كما أبرز المحاضر أن القانون يواجه أزمات بنيوية في مواكبة هذه التحولات، تتجلى في بطء التشريع، وتآكل مفهوم السيادة أمام الفاعلين العابرين للحدود، وغموض المسؤولية داخل الفضاء الرقمي، إضافة إلى انحياز الخوارزميات. وهي تحديات تجعل من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين القانون والتكنولوجيا، بما يسمح بإعادة بناء توازن جديد بين الضبط والحرية.
وفي استحضار للتجارب الدولية، أشار إلى تعدد النماذج في تنظيم المجال الرقمي، بين مقاربة أوروبية تميل إلى التقنين الصارم، ونموذج أمريكي قائم على حرية السوق، وآخر صيني يقوم على سيطرة الدولة، وهو ما يعكس اختلاف الرهانات الفلسفية والسياسية في التعامل مع المنصات.

وخلص إلى أن تحقيق العدالة الرقمية يظل رهيناً بجملة من الشروط، من بينها تعزيز شفافية الخوارزميات، وإخضاع المنصات للمساءلة، وحماية المعطيات الشخصية، وإشراك المجتمع المدني، إلى جانب تطوير أطر قانونية مرنة. غير أن الرهان الأعمق يظل أخلاقياً وفلسفياً، يرتبط بإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل هذا العالم الرقمي.
وقد اختُتم اللقاء بنقاش علمي ثري، عكس انخراطاً عميقاً للحضور في مساءلة الإشكالات المطروحة، حيث تنوعت التدخلات بين مقاربات قانونية وفلسفية وسوسيولوجية، تمحورت حول تحديات تحقيق العدالة الرقمية، وحدود تدخل الدولة، ومخاطر الهيمنة الخوارزمية. كما طُرحت تساؤلات دقيقة حول موقع المجتمعات النامية في هذا التحول، وإمكانية بلورة نموذج وطني يوازن بين الانفتاح التكنولوجي وحماية السيادة الرقمية.

وفي المجمل، أكد هذا اللقاء أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد قضية تخصصية، بل تحولت إلى سؤال حضاري مركزي، يفرض إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين القانون والسلطة، داخل عالم يعاد تشكيله على نحو غير مسبوق.








