‏آخر المستجداتقضايا العدالة

تقرير حقوقي يكشف أعطاب المنظومة الصحية وتفشي “النوار” بالمصحات الخاصة

كش بريس/التحرير ـ أفاد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن عددا من الإكراهات البنيوية ما زالت تعرقل التفعيل الكامل للحق في الصحة بالمغرب، من بينها محدودية الميزانية المخصصة للقطاع وضعف جودة الخدمات الصحية، إلى جانب انتشار بعض الممارسات غير القانونية داخل القطاع الخاص، مثل أداء مبالغ مالية خارج الفوترة المعروفة بـ“النوار” واشتراط “شيك الضمان”. كما أشار إلى استمرار اختلالات تتعلق بعدم تعميم التغطية الصحية وضعف نسب استرجاع المصاريف، مبرزا في الوقت نفسه محدودية الاهتمام بالصحة النفسية رغم أن نحو 17 في المائة من المغاربة يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية.

وأوضح المجلس، في تقريره السنوي برسم سنة 2024، أن الميزانية المخصصة لقطاع الصحة في المغرب ما تزال دون المستوى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، والتي تدعو إلى تخصيص ما لا يقل عن 12 في المائة من الميزانية العامة لهذا القطاع. كما سجل استمرار تحديات عديدة تحول دون ضمان الولوج المتكافئ إلى الخدمات الصحية، من بينها التوزيع غير المتوازن للطاقات الاستشفائية على المستوى الجغرافي.

ورصد التقرير كذلك عددا من الشكايات التي تقدم بها مواطنون بشأن ممارسات تعرفها بعض المصحات الخاصة، من بينها فرض أداء مبالغ مالية غير مصرح بها في الفواتير، وهي ممارسة مخالفة للقانون تعرف انتشارا ملحوظا داخل عدد من المصحات، وتختلف قيمتها تبعا لنوعية التدخل الطبي، وقد تصل في بعض الحالات إلى مبالغ مرتفعة. ودعا المجلس السلطات الصحية المختصة إلى التدخل من أجل الحد من هذه الظاهرة. كما أشار إلى اشتراط بعض المصحات تقديم “شيك ضمان” قبل الاستفادة من العلاج، وهو ما يضع عراقيل إضافية أمام فئات واسعة من المواطنين الراغبين في الولوج إلى الخدمات الصحية.

وسجل المجلس أيضا غياب نظام فعال وسهل الولوج لتلقي شكايات المؤمنين بشأن هذه التجاوزات، إضافة إلى ضعف تفعيل المتابعات القانونية في حق المخالفين، وهو ما يؤثر سلبا على حماية حق الأفراد في العلاج.

وفي ما يتعلق بالتعريفة المرجعية الوطنية للخدمات الصحية، أشار التقرير إلى أنها لم تعرف أي مراجعة منذ سنة 2006، حيث ما تزال مصاريف الاسترجاع تحتسب على أساس تسعيرة محددة في 80 درهما للاستشارة لدى الطبيب العام و150 درهما لدى الطبيب المختص. واعتبر المجلس أن هذه التسعيرة لم تعد تعكس الواقع الحالي، إذ يضطر المرضى في كثير من الحالات إلى أداء مبالغ تفوق هذه القيم بكثير للطبيب المعالج، ما يستدعي مراجعة التعريفة المرجعية من أجل تخفيف العبء المالي عن المؤمنين والحد من المضاعفات الصحية الناتجة عن تأخر العلاج.

وفي ما يخص الصحة النفسية، نبه المجلس إلى أن هذا المجال لا يزال يحظى باهتمام محدود ضمن أولويات المنظومة الصحية، رغم أن المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة تشير إلى أن نسبة المصابين باضطرابات عقلية ونفسية تبلغ حوالي 17 في المائة من مجموع السكان. كما أشار إلى أن الإطار القانوني الوحيد المنظم للوقاية من الأمراض النفسية وعلاجها وحماية المرضى العقليين يعود إلى سنة 1959، وهو ما يجعله غير ملائم للتطورات الراهنة.

وسجل التقرير أيضا خصاصا ملحوظا في الموارد البشرية المتخصصة في مجال الصحة العقلية والنفسية، إلى جانب محدودية البنيات الاستشفائية المخصصة لهذا المجال، والتي لا تستجيب لحاجيات المرضى المتزايدة سنويا. كما أشار إلى نقص في عدد الأطباء المتخصصين والأسرة الاستشفائية، فضلا عن غياب وحدات أو مراكز عمومية متخصصة في علاج الاضطرابات النفسية والعقلية بعدد من الجهات.

ومن جهة أخرى، لفت التقرير الانتباه إلى تدهور وضعية بعض البنيات الاستشفائية الخاصة بالأمراض النفسية والعقلية. ففي أعقاب زيارة لمصلحة الأمراض النفسية والعقلية التابعة لمستشفى مولاي الحسن بن المهدي بمدينة العيون، والتي جاءت على خلفية حادثتي وفاة لنزيلين خلال شهر واحد، تم تسجيل تدهور واضح في حالة البناية بسبب ضعف الصيانة، إلى جانب نقص في الموارد البشرية، خصوصا على مستوى الحراسة الليلية، إضافة إلى تسجيل خصاص في بعض الأدوية وعدم توفر التكفل العائلي ببعض المرضى بعد انتهاء فترة علاجهم.

كما كشفت زيارات قامت بها الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب لعدد من مؤسسات الأمراض العقلية عن وجود اكتظاظ كبير يصل في بعض الحالات إلى 190 في المائة، فضلا عن عدم احترام مبدأ الفصل بين فئات المرضى بحسب السن أو الوضعية الجنائية.

وسجلت الآلية كذلك عدم ملاءمة بعض وحدات الطب النفسي من الناحية المعمارية، وعدم احترام شروط الكرامة والسلامة داخل غرف العزل، إلى جانب غياب أنشطة العلاج المهني، واستمرار تسجيل حالات انتحار داخل بعض هذه المؤسسات.

وفي ختام تقريره، أوصى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالإسراع في اعتماد قانون خاص بمكافحة الاضطرابات العقلية وبحماية حقوق الأشخاص المصابين بها، بما يضمن توافقه مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب تعزيز حملات التوعية والتحسيس بأهمية الصحة النفسية والحد من الوصم الاجتماعي المرتبط بها، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الفاعلين في المجتمع المدني والعاملين في مجال الصحة العقلية والنفسية، بهدف تحسين آليات التكفل بالمصابين بهذه الاضطرابات.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button