
كش بريس/التحرير ـ في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها ديناميات التنقل البشري عبر القارة الإفريقية، يكشف تقرير حديث صادر عن مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، التابع لوزارة الحرب الأمريكية، عن ملامح مشهد هجرة يتسم بالتعقيد والتبدل المستمر. فالهجرة الإفريقية، كما يرصدها التقرير، لم تعد مجرد حركة انتقالية بحثاً عن فرص اقتصادية، بل صارت منظومة متشابكة تتقاطع فيها السياسات الأمنية مع شبكات التهريب والاقتصاد غير النظامي.
ويؤكد التقرير أن الصورة الغالبة للهجرة الإفريقية ترتبط أساساً بالهجرة خارج القارة، حيث دفعت إجراءات الاعتراض والمراقبة الأكثر صرامة العديد من المهاجرين إلى تغيير مساراتهم نحو طرق ثانوية أكثر خطورة، مع تزايد اعتمادهم على شبكات التهريب. وقد أدى هذا التحول إلى تقوية الشبكات الإجرامية المنظمة، وفي الوقت ذاته رفع من مستوى المخاطر التي تهدد سلامة المهاجرين.
وفي التقرير المعنون “اتجاهات الهجرة الإفريقية 2026: إدارة المحركات، الأمن، والفرص”، يشير المركز إلى أن عدداً كبيراً من الدول الإفريقية يواجه صعوبات متزايدة في مواكبة الطلب المتنامي على فرص العمل. وتزداد هذه المهمة تعقيداً بفعل التقلبات الاقتصادية والسياسية المستمرة، خصوصاً في ظل النزاعات التي تمثل صدمة عميقة للاقتصادات الإفريقية. فهذه النزاعات تؤدي إلى تدمير البنية التحتية، وخروج رؤوس الأموال، وتعثر المقاولات، وفقدان الوظائف، وهو ما يغذي بدوره دوافع الهجرة. ويتوقع التقرير أن تؤدي النزاعات إلى خفض النمو الاقتصادي السنوي في إفريقيا بنسبة تصل إلى 2.5 في المائة.
ويبرز التقرير كذلك أن دول شمال إفريقيا شكلت تاريخياً نقطة جذب للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء نظراً لقوة اقتصاداتها النسبية مقارنة ببقية مناطق القارة. غير أن هذا المسار أصبح أكثر تعقيداً في السنوات الأخيرة، إذ كثفت معظم دول المنطقة عمليات الترحيل القسري، باستثناء المغرب. فقد سجلت ليبيا ارتفاعاً بنسبة 63 في المائة في أعداد المهاجرين منذ عام 2020، بينما تبنت كل من تونس والجزائر سياسات أكثر تشدداً تجاه المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، شملت عمليات ترحيل جماعية نحو مناطق صحراوية نائية، حيث لقي عدد منهم حتفه. ويشير ناجون إلى تعرضهم للضرب ولانتهاكات مختلفة على يد قوات الأمن.
ويوضح التقرير أن الهجرة الإفريقية خارج القارة تتم أساساً عبر ثلاثة مسارات رئيسية: طريق البحر الأبيض المتوسط المؤدي إلى أوروبا، والطريق الغربي الإفريقي الذي يمر عبر جزر الكناري، إضافة إلى الطريق الشرقي الإفريقي الذي ينطلق غالباً من جيبوتي نحو اليمن ثم إلى دول الخليج. كما يظهر تحليل الجنسيات الإفريقية التي تم اعتراضها على الحدود الأوروبية خلال السنوات الخمس الماضية أن مواطني شمال إفريقيا يمثلون باستمرار النسبة الأكبر من المهاجرين الأفارقة، وهو ما يرتبط أساساً بعوامل القرب الجغرافي والروابط التاريخية والاقتصادية مع أوروبا.
وفي ما يتعلق بتطورات المسارات، سجل طريق شرق البحر الأبيض المتوسط ارتفاعاً بنسبة 57 في المائة في حالات اعتراض الحدود خلال العام الماضي، وهو ما يعكس تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول شرق إفريقيا المتأثرة بالنزاعات. في المقابل، شهد الطريق الغربي الإفريقي تراجعاً بنسبة 61 في المائة في عدد الحالات المسجلة، حيث بلغت 17816 حالة اعتراض، ويعزى ذلك إلى تكثيف الجهود الأمنية في كل من موريتانيا والسنغال، بدعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي، لمنع انطلاق القوارب نحو جزر الكناري.
ويضيف التقرير أن تشديد القيود على مسارات الهجرة البحرية دفع العديد من المهاجرين غير النظاميين إلى الاعتماد بشكل أكبر على المهربين، ما عرضهم لمخاطر جديدة. فبحسب المعطيات التي أوردها المركز، صرّح 82 في المائة من المهاجرين الذين استعانوا بمهربين لعبور منطقة القرن الإفريقي نحو اليمن خلال سنة 2025 بأنهم تعرضوا للتضليل بشأن طبيعة الرحلة، فيما وصف نحو نصفهم المهربين بأنهم مجرمون.
كما يرصد التقرير تحوّلاً آخر في بنية الهجرة الإفريقية يتمثل في توسع ارتباطها بشبكات الجريمة العابرة للحدود خارج القارة. وتستغل هذه الشبكات الارتفاع الكبير في أعداد الشباب الإفريقي العاطل عن العمل، حيث يتقدم العديد منهم إلى وظائف يعتقدون أنها مشروعة في الخارج قبل أن يجدوا أنفسهم ضحايا للاتجار بالبشر أو للاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك عمليات تجنيد عبر الإنترنت لوظائف مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات.
تحليل ختامي
تكشف خلاصات التقرير أن ظاهرة الهجرة الإفريقية لم تعد مجرد استجابة فردية للفقر أو البطالة، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية ترتبط بتشابك معقد بين العوامل الديموغرافية والاقتصادية والأمنية. فكلما تشددت السياسات الحدودية، انفتحت مسارات أكثر خطورة، وكلما تقلصت فرص العمل داخل القارة، اتسعت شهية شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
ومن هنا تبدو المقاربة الأمنية وحدها عاجزة عن احتواء الظاهرة، إذ تشير المعطيات إلى أن تدبير الهجرة في المستقبل سيظل رهيناً بقدرة الدول الإفريقية على بناء سياسات تنموية قادرة على خلق فرص العمل، وتعزيز مهارات الشباب، وتطوير مؤسسات قادرة على إدارة التنقل البشري بشكل منظم. فالهجرة، في نهاية المطاف، ليست مجرد عبور جغرافي، بل هي مرآة تعكس اختلالات عميقة في توازنات التنمية داخل القارة الإفريقية.





