‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د عبد العلي الودغيري:قول على قول

كلمة (المسلمين) أصبحت ضِرسًا موجعًا لوزير الداخلية،، فقرر حذفها من سيارات (نقل أموات المسلمين) لتصبح مجرد سيارات (نقل الأموات). الكلمة أصبحت مخيفة ومرعِبة، ووجودها أصبح مثيرًا لحفيظة غيرهم، وحذفها ـ في زعمه ـ سوف ينشر الوئام والسلام ويعزْز التماسك الاجتماعي، وينزع من قلوب المغاربة مشاعر الكراهية المزعومة نحو أصحاب الديانات الأخرى حتى وإن كان عددهم لا يصل إلى واحد في المئة من مجموع السكان. وكأن المغاربة في القرون السالفة لم يتعايشوا مع هؤلاء قط، حين كان عددهم (ولاسيما اليهود منهم) بالآلاف لا بالمئات كما هو شأنهم اليوم، وكأن المغرب لم يكن في يوم من الأيام ملجأً آمنًا لليهود حين طردهم النصارى من الأندلس ونكّلوا بهم شر تنكيل٫ ولم يكن حاميًا وعاصمًا لهم من محارق النازية التي أودت بحياة الآلاف من بني جنسهم وديانتهم.

لنفرض الآن أن يهود المغرب قرروا، وقد تقوى موقفُهم بعد التطبيع ومسلسل الاختراق، على قلة عددهم، أن ينقلوا موتاهم على سيارات كتبت عليها عبارة (سيارة نقل أموات اليهود)، وأن النصارى على قلتهم أيضًا، فعلوا مثل ذلك، هل يستطيع وزير الداخلية حينها أن يمنعهم من ذلك ووراءهم نتنياهو وترامب وكل عُتاة المتصهينين في العالم؟ لماذا كل هذا التملّق الذي لا مبرر له، وهذا التذلُّل الذي لا أحد يطالبنا به أو يُجبرنا عليه؟

في هذه الأثناء بالذات، يخرج وزير الأوقاف والشؤون الدينية، هذه المرة، بموقف لا يبعد في العمق عن توجّه زميله في الداخلية ولو بطريقة مخالفة وأسلوب مضاد، ولا يشذّ عما ألفناه من سلوكه وتحكّمه ورقابته التي تُحصي أنفاس الأئمة والخطباء وعموم المصلّين، فيشدد النكير على الخارجين عن (المذهب) الذين لا يلتزمون بالسَّدْل في صلواتهم. وكأن لم يعد شأن من الشؤون الأساسية والجوهرية في هذا الدين وسلوك المتدينين إلا وأصلحه، ولم يبق ثمة أمر يزعجه، سوى قضية القبض والسًّدل في الصلاة، فهو الأمر الأكيد الذي استحكم ضررُه، والذريعة الكبري التي اتسع خَرقُها ووجب سدُّها ورَتْقُها حتى لا يتأتَّى منها ما يشق وحدة المذهب (المالكي الأشعري الجُنيدي)، أما الذين يحاربون الدين وعقائده بشكل علني صريح، ويطعنون في الأحاديث النبوية وآثار الصحابة وأقوال الأئمة ويرفضونها بصوت قويّ وجهير، والذين يحرضون علانية على الإفطار وترك الصوم في رمضان، وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة التي لا يتمّ إلا بها وهي مجتمِعة، وليس مجرد سنة أو فعل مندوب أو مستحب، أو اجتهاد فقهي وقول مذهبي، فذلك عنده من المسكوت عنه، بل من الأمور التي يحرم الخوض فيها، لأن في محاربتها والتصدي لها ما قد يشق صفَّ المسلمين، ويضيِّق على حرية الرأي ويقلّص مساحة التعبير، وإطلاق السبيل لهم بالطعن والتشكيك في عقيدة المغاربة لا يشكل خطرًا على وحدة الشعب ورصّ صفوف الأمة، ولا خوف منه على المذهب والدين الذي ينصِّب نفسه حامياً له ومنافحًا عنه على طريقته ومزاجه وتحكُّمه، وهو يعلم ـ وقد لا يعلم ـ أن ما يتشدَّد في فرضه وإلزام الناس به ـ وليس من حقه ـ لا يمثل من الدين إلا قشوره الخارجية، وهي موضع خلاف الأئمة الكبار على كل حال. أما لبُّه وجوهره ومراميه ومقاصده، فذلك ما لا يستطيع الخوض فيه لا بلسانه ولا بيده ولا بسلطته. والحمد لله على أنه لا يستطيع، لأنه لو استطاع لعبث بهذا الدين عبثًا شديدًا، وقلَب رأسه على عقِبه، ولنال المسلمين من جراد عبثه ضررٌ وعنَتٌ ومشقّة وقانا الله شرَّ ذلك كله.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button