
غذا فاتح أبريل يوم الكذب بامتياز حيث تسبح “سمكة أبريل” بكامل حرية و”التي يطلق لقبها على الشخص الذي ينطلي عليه “كذبة أبريل” ، وهو في فرنسا تقليد قديم يقوم فيه الناس بلصق سمكة ورقية على ظهر الضحية، ويعتقد أن القصة بدأت عندما قرر الملك الفرنسي شارل التاسع اعتماد 1 يناير بداية للعام، ومن استمروا بالاحتفال في 1 أبريل ببداية السنة تم السخرية منهم بلصق سمكة على ظهورهم…
ويرجع الباحثون إضافة السمكة إلى شهر أبريل بكون الأسماك في هذا الوقت من السنة (أوائل أبريل) تكون سهلة الصيد في الأنهار الفرنسية، كإشارة لسهولة خداع الناس “
قد ندخل معالجة هذا الموضوع في أنثروبولوجيا الأخلاق بصفة عامة بمعنى الثقافة التي تفرزها القيم والمثل الاجتماعية وتكون سببا في إنتاجها امتثالا للتطور الاجتماعي و النفسي للأفراد و لاوعيهم الجمعي ودرجة نضج المجتمع و مدنيته ..
فما الذي يجعل الناس يلجئون إلى الكذب في ثقافة معينة ،وكيف يبررون لأنفسهم ذلك ، وهل يبدأ الكذب بوضع الأقنعة التي تخفي الحقيقة “اذهن فمك بالسمن و قول تعشيت” ،والتظاهر بالسلامة بعدم الشكوى من سوء الحال اجتنابا لشماته الآخرين :
و لا تشك الى خلق فتشمته … شكوى الجريح إلى الغربان و الرخم
لا تحسبوا رقصي بينكم فرحا … فالطير يرقص مذبوحا من الألم
فلا عجب أن تجد شخصا يحمد الله بعد زلزال أو كارثة و يكذب عن حاله .
هل الكذب مرتبط بمرحلة من مراحل العمر مثلا مرحلة الطفولة أم هو مستمر في كل المراحل حتى الشيخوخة،وهل يقتصر الكذب على الآخرين أم يتجاوز ذلك الى الكذب على النفس الذي هو أصعب انواع الكذب و أعقدها …
وهل الكذب نشاط واع او غير واع يدخل في تكوين الكائن البشري بشكل عام ويفسر حاجته إلى الحلم والوهم والعيش في عالم يتجاوز عالمه الحقيقي الملموس، و هل اللغة بدورها تساعد على الكذب لأنها تفتقد المطابقة بين الدال والمدلول .
وهل الحواس بمحدوديتها تساهم في الكذب على الشخص، ثم ما دور الثقافة التي ينتمي إليها الشخص وطبيعة التربية الاجتماعية التي ساهمت في تنشأته في لجوء الشخص إلى الكذب و الادعاء الباطل بما ليس فيه ..
يقول ابن خلدون رابطا بين الكذب و التربية السيئة ما معناه أنه من كان مرباه بالعسف و العنف نبا به طبعه نحو الكذب و الخبث ..
و من جهة أخرى ما علاقة الفن و الشعر بالكذب حين يقول النقاد ان الشعر أعذبه أكذبه ، وأن الصدق عندما يتمكن منه يضعفه ، وعندما يكون به التخييل يجمله ، مثلما يساهم الكذب في القول او المظهر في تلطيف الحياة البشرية وإعطائها صفة التثبيت و الديمومة و نسيان الموت و الفناء ..و هل يمكن القول أن التخييل هو نوع مقبول من الكذب ..
في بعض الأحيان يلجأ الكاذب لتلميع صورته امام الاخرين بعرض أفعال بطولية ،كما في الاساطير والحكايات والسير والأفلام البوليسية و أفلام المغامرات و أفلام الحروب حيث البطل القومي لا يقهر، لأنه يحمل أحلام جماعة بأكملها و شعبا في مجمله …
كما أن أصحاب السياسة عندما يطلقون وعودا كاذبة يعرفون عدم قدرتهم على تنفيذها ..وكما يقوم المسوف عند كل طلب مقدم اليه ..و كما يلجأ الى الكلام المعسول كل طالب او متكسب يمدح صاحبه و هو يدرك أن هذه الصفات ليست فيه، وغالبا ما كان الناس يحبون الكذب لأنه يمنح الطمأنينة رغم انه قد يفسد البيع و الشراء حتى ان الثقافة الاسلامية لعنت الكاذب و لو كان مازحا،و جعلته حدا بين الكفر و الايمان ..بل جعلته آية من آيات المنافق الذي إذا حدث كذب ..
و قد عرف المنافق بالكذب و إخلاف الوعود وعدم احترام الكلمة التي كانت في المجتمع المغربي هي الرجل،وتنوب عن العقد والكتابة قبل أن ينقص التضامن بين الأفراد كما ورد بالغناء الشعبي “ما بقاو حباب كلشي كذاب “.
و من جهة أخرى إذا كان هناك من يمدح الصدق و يدافع عنه و يقول انه من أجود الأخلاق التي يمكن ان يتحلى البشر بها ، فإن البعض قد يمدح الكذب و يبرر اللجوء اليه في حالات معينة ..فقد تأتي ظروف على الإنسان يرى فيها الصدق شرا ووبالا كما يقول المتنبي عند حديثه عن حمى أصابته كما تزعم أخبار الأدب :
ويصدق وعدها و الصدق شر إذا ألقاك في الكرب العظام
كما وضعت الثقافة البشرية للكذب ألوانا فهناك الكذب الأسود و الأصفر و الأبيض و كل له تقييمه ومعناه الخاص ..
الكذب و السمكة :
أشرنا إلى علاقة الكذب بالسمكة و بفاتح أبريل …يوم الكذب بامتياز ..أليست السمكة رمزا للتملص و صعوبة الإمساك..مثل الكذبة التي تغلف بكل أغلفة الصدق حتى تظهر مطابقة للحقيقة لايشك المتلقي أنها نسخة من الواقع فلا يستطيع التحقق منها ،ومنه كل تزييف للوقائع ونشر الأخبار الكاذبة الذي يقوم به من يبيع الحوت قبل أن يخرج من البحر ..
بحيث لا يمكن التمييز بين الواقع و الزيف ، وقد وصل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النوع من التزييف العميق الذي لا يمكن التمييز بينه و بين الواقع الحقيقي ، والمستقبل منفتح مستقبلا ..
و لما قام صاحب الرباعيات عبد الرحمن المجذوب بتشبيه النساء بالسمك الذي يعوم بلاماء ،فانه كان ينقل تجربة و معاينة خاصة به في عصره …
مزين النسا بضحكات لوكان فيها يدومو
هو يعوم في الما و هوما بلاما يعومو
و كما قام أبو الحيان التوحيدي بتحديد الكذب في مهن و حالات بعينها بحيث أن أصحابها لا يؤخذ عنهم حديث ، أي انه معروف عليهم الكذب ، فهل الكذب يختص بمهن دون غيرها ،أم هو نوع من الحمق ام اقصى درجات الذكاء والتعبير عن واقع مرفوض بأمل مطلوب ..
<< يحكى ان شابا تقدم لخطبة فتاة من أبيها فلما سأله عن عمله ،عدد له ما يملك من شركات و مساكن و عمارات ثم أضاف في الختام ان به عيبا وحيدا بسيطا هو أنه كذاب ..>>
ثم هل الجنوح الى الكذب متساو في جميع الثقافات أم أنه يرتفع مؤشره في المجتمعات التي تقدس المظاهر عوض الجوهر” المزوق من برا آش خبارك من الداخل .”
الكذب و الاستعارة :
وما التشبيه والاستعارة و الكناية إلا كذب مقبول ومهذب ،و إلا كيف يشبه الشجاع بالأسد و هو ليس حيوانا مثله و الجميلة بالشمس وهي حارقة ..
قامت تظللني من الشمس نفس أحب إلي من نفسي
قامت تظللني و من عجب شمس تظللني من الشمس
و كيف يستعير المغاربة للكذب بسلوقية يطلقها الكاذب دون ان يستطيع لجمها عن سرعة الركض ..
الكذب و الاقتصاد :
هل الاقتصاد مبني على الكذب عندما يرسم كون الاقتصاد المبني على الاستهلاك و كفاية السوق أقصى أنواع التحقق و الرفاه الاقتصادي .
و أن الاقتصاد القوي هو المبني على أسواق رائجة و درجات معاملات مرتفعة و بورصات قوية ، و لا حاجة الى معادلة بين الإنتاج و الاستهلاك و الادخار و عيش السكان .. بل المهم هم أن يتحقق التوازن بشكل ما و لم من خلال العجز و التحكم في التضخم المالي .
الكذب و الإشهار:
يقوم الاشهار على ترويج ثقافة الوهم وصور السعادة من خلال تحفيز شراء المنتوجات و السلع ..
فهو يصور ان البطولة تتجلى في الحصول على الأشياء التي تعطي للإنسان قيمة فكل مشتر هو مميز لأنه يحصل على سلعة مميزة عبارة عن مأكول او مشروب أو مركوب يحقق بها كينونته و ينتقل بواسطتها ويرتقي من طبقة اجتماعية إلى أخرى،لذلك يقدم الإشهار الأشياء للمتلقي في غير حقيقتها، فالحصول على الأشياء ينتج التحول المطلوب فيتحول الشخص المستلب بالإشهار إلى كائن جديد وسعيد بمجرد حصوله على السلعة و المنتوج ..
الكذب و الحروب :
الكثير من الحروب في تاريخ البشرية مبنية على كذبات تاريخية كبيرة مثل تضخيم حجم العدو و درجة تهديده الاستقرار، والكذب غالبا ما يبرر هذه الحروب و يجعلها مقبولة من طرف عدد من الناس العاديين الذين من الطبيعي أن يشعروا بالخوف من الآخر البعيد و والمغاير ثقافيا،لكن المستفيد منها في حقيقة الامر هم تجار السلاح و منتفعي الأزمات، وحتى حفاري القبور الذين تغتني تجارتهم في هذه المناسبات ..
ان الكثير من الحروب عبر التاريخ قد بنيت على الكذب من خلال التهويل من حجم الخصوم و رسم السعادة التي تنتجها الانتصارات على المستوى الداخلي والخارجي ..
الكذب و السياسة :
لعل المجال الأجمل الأوسع و الأرحب للكذب هو مجال السياسة حيث يلجأ السياسي إلى الكذب الخاص من أجل إحاطة العقول بالوعود الكاذبة على المستوي الفردي و الجماعي تطبيقا لقول شعبي معروف، ومترسخ في اللاوعي “الطماع ما يقضي عليه غي الكذاب “
و بما “أن اللسان ما فيه عظم “فإنه لا مسؤولية و لا محاسبة في الكلام والوعود ،خاصة و “أن الراس للي ما يدور كدية” و التنصل من أي التزام سياسي سهل ، و تبديل الأفكار بتبديل المواقع شائع << كنا و كنتو و سرنا و سرتو “
الكذب و القانون :
يصير الكذب جريمة عندما يضر الفعل بالمجمع و يترجم إلى سلوك خارجي ينتج ضررا ملموسا و ماديا ، لأن الجريمة في نظر القانون هي اضطراب اجتماعي ، فلا مسؤولية جنائية على الكاذب مالم يترجم كذبه إلى سلوك يسبب الضرر للمجتمع فليكذب الكاذب كما يشاء في حدود مقبولة للكذب .
و كل فاتح ابريل و انتم بخير ، اللهم أبعد عنا شر الكذب ..فاتح أبريل 2026





