‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د منصور مالك (لندن): لماذا نحن هنا، وكيف ينبغي أن نعيش؟

ـ تعالوا لنعرف الحقيقة ـ

نحن هنا لنعرف أنفسنا، ومعرفة النفس في حقيقتها هي إدراك حقيقة الروح والنَّفَس المودَعَين في داخلنا. هذه الرحلة ليست للإعجاب بالذات، بل هي يقظة روحية. وحين يفهم الإنسان من هو، وما قدراته، وأين حدوده، وما مسؤوليته، عندها يدرك لماذا وُهِب الحياة والاختيار والضمير.

أفضل طريقة للعيش تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها عميقة للغاية: أن ننشر السعادة في حياة الآخرين، وأن نُعينهم، وأن نجعل الخدمة منهجًا للحياة. فالحياة القائمة على الخدمة تُهذِّب الروح؛ وكل عمل خير يُجلي القلب، وكل رحمة تُوسِّع إنسانيتنا. وحين نُخفِّف عن غيرنا الأعباء ونهدم جدران الكراهية نقترب من غايتنا الحقيقية، وحين نرفع أرواح الآخرين نرتفع نحن أيضًا.

النجاح الحقيقي ليس في المال، ولا في المنصب، ولا في الضجيج والمظاهر، بل في الحضور القلبي: أن نعيش بكامل وعينا بالمحبة والرحمة والعدل. ومعرفة النفس هي في حقيقتها تذكُّر الخالق، وإسعاد الآخرين هو التعظيم العملي والحقيقي للخالق. هكذا تتحوّل الحياة إلى عبادة، ويتحوّل الوجود إلى نور.

لكن المؤسف أن كثيرًا من الناس يقضون أعمارهم في السعي وراء المال والشهرة حتى يصبحوا عبيدًا للمال، ناسِين أنهم دخلوا هذا العالم خاليي الأيدي وسيغادرونه كذلك. وحين تُهمَل حقيقة الإنسان الأصيلة—الروحية لا المادية—يرحل السكون معها. فالمال الذي خُلِق ليخدم يصبح سيدًا. تضيع الليالي بلا نوم، ويُؤكل الطعام للعرض لا للصحة، فتتدهور الأجساد، وتدور الحياة حول الأطباء والعلاجات.

وحين يُدرَك هذا الحق، تنكسر عبودية المال من تلقاء نفسها، وتُنال الحرية والوعي بالذات. وفي تلك الحرية تتحقق السعادة الحقيقية، وتتحسن الصحة، وفوق ذلك كله تصحو القلوب والأرواح. ومن يجد هذا الكنز الحق يبدأ في نشر المحبة بلا شرط، دون تمييز في الدين أو السلوك. فإذا نال العبد محبة الله الصادقة تعمّق الإيمان، وصارت الحياة هادئة مطمئنة ومفعمة بالسرور الداخلي، ويُفعل الخير دون انتظار مقابل.

ولا تبقى عبودية ولا تعلّق إلا بالله وحده. وتفقد الروابط الدنيوية والمادية أهميتها، وتغدو الثروة الروحية رأس مال الحياة الحقيقي. وتتحرر الحياة من الحزن والخوف والقلق، لتدخل وادي السكينة والروحانية، حيث يغدو كل لحظة نشيد فرح وراحة وسلام.

ويغدو المؤمن صورة حيّة لمحبة الله وذكره.
نسأل الله أن يمنحنا هذا اليقظـة وهذا الفوز.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button