
ـ اللعبة الكبرى”the big Game ” ـ
مآلات الحرب على إيران / الانهيار الاقتصادي وتفكك النظام الدولي
هذه قراءة تحليلية نحاول من خلالها استشراف ما قد يحمله المستقبل لهذه الحرب المعقدة من مآلات أكثرها حدة المآل الاقتصادي للدول وخصوصا دول الاقتصاد الضعيف في الجنوب. تطرح القراءة ثلاث سيناريوهات محتملة لمسار الصراع وتداعياته الإقليمية والدولية. فإذا اتجهت الحرب نحو تصعيد أوسع، فإنها ستأذن بمزيد من التفكك الدولي والفوضى وغالب الظن أن الضغوط السياسية والعسكرية ستدفع نحو احتواء الصراع أو فتح باب التفاوض؟
- إذا خسرت إيران الحرب سيتغير الشرق الأوسط لفائدة أمريكا وإسرائيل ودول الخليج؟
التاريخ يسجل أن الحروب الدينية لا تقف ولو تقطعت بالسلم مؤقتا فهي تستمر إلى غاية اندحار أحد الطرفين ليفسح المجال للطرف القوي ليبني كيانه من جديد. والحقيقة أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، يحاربون كلهم من منطلق ديني، الإيرانيون بمدهمهم الشيعي المتشدد يقولون انهم يحاربون “الشيطان الأكبر” وأمريكا تجزي بالعقيدة الكاثوليكية وحرب الفصال في الشرق إلى الميدان وإسرائيل بعد تهويد الدولة العبرية (نتنياهو 2015 تاريخ إعلان يهودية الدولة)، تحارب من هذا المنطلق أيضا وبحثا عن نصر إلاهي في معركة فاصلة تجري بين “محور الشر” و”محور الخير” تسمى في الأسطورة الدينية المسيحية واليهودية بمعركة ” هرمجدون”. لكن ما تفرضه الوقائع على الأرض أكبر من الخيال الجامح وأوسع من الحلم، فهذه الحرب انطلقت بحسابات استراتيجية وطموح مطلق للهيمنة على الإقليم وإعادة تشكيل “شرق أوسط جديد” بأدوات أمريكية إسرائيلية. لكن الحرب لم تكن لها هذه الخلفية الاستراتيجية، فبمجرد انطلاقها استيقظت النزعة الطائفية الدينية المسلحة ضد أمريكا وإسرائيل، بعد ان كانت إسرائيل تتحدث عن نهاية تاريخية لمنظمة حماس الفلسطينية وحزب الله والحوثيين والتشطيب النهائي على وثيقة تاريخية اسمها “اتفاقية أوسلو 93” وقرار فك الاشتباك في الضفة الغربية وجنوب سوريا، تجددت الاشتباكات مع هذه التنظيمات انطلاقا من غزة تحت المظلة السلمية لترامب وأصبحت الصواريخ البالستية تأتي من جهات متعددة نحو إسرائيل وتقصف القواعد الأمريكية والبوارج الحربية في مياه الخليج.
الإيرانيون خبروا أعداءهم في حرب 12 يوم الأخيرة وكان لديهم أكثر من 8 أشهر ليستعدوا لحرب فعلية قادمة التي كانوا يتوقعون حدوثها بالنظر إلى تحمس نتنياهو للحرب وخطة الرئيس الأمريكي لكسب حرب في الشرق الأوسط تعزز تضمن استمراريته في البيت الأبيض حتى آخر الولاية. بغض النظر عن هذه التحفيزات والمبادرة الفينزويلية التي كللت بالنجاح ولاقت تأييدا واسعا في الأوساط الشعبية بأمريكا، لم تكن هناك أية مقاربة ثالثة تفرض نفسها في مخطط الهجوم الجوي على إيران ..؟ إيران ليست فينزويلا والتجربة السابقة في حرب الاثني عشر يوما مكنتها من تقدير حجم المواجهة القادمة. إيران تمتلك ترسانة متنوعة من الأسلحة وكمية كافية لخوض حرب الاستنزاف على الرغم من الحيلولة التي يقوم بها الأمريكان اتجاه الحلفاء التقليديين لإيران روسيا والصين لمنع تدفق الأسلحة نحو إيران. قام وزير الخارجية وتكوف مؤخرا بتوجيه تحدير حاد لروسيا من ان تواصل مد الإيرانيين بالأسلحة والتعاون الاستخباراتي، لكن حسب اتفاقية التحالف بين البلدين، ما دام النفط يتدفق نحو روسيا والصين فالتعاون العسكري لن يمنعه شيء.
اللعبة الكبرى” the big Game ” كما يقول “روديار كيبلنغ”، قد كشفت عن وجهها الحقيقي مع “رولاند ترامب”، “ولن تتوقف على الأقل طيلة الخمس سنوات القادمة، ما دامت إسرائيل تؤمن نفسها بواسطة التوسع والحروب وأمريكا تدعمها بالعتاد والرجال” حتى ولو توقفت الحرب الآن لأسباب وجيهة فلن يدوم السلام طويلا في هذه المنطقة. لقد دخلت إيران الآن حرب استنزاف طويلة الأمد ستسبب أكبر أزمة عالمية عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، فإغلاق مضيق هرمز يحرم العالم من حوالي 90 بالمائة من غذائه وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب حوالي 90 بالمائة من مصادر الطاقة التي تحتاجها. دول الخليج بما فيها السعودية وقطر والامارات والكويت تضررت بنسبة ت-أدت الحرب الدائرة (مارس 2026) إلى خفض دول الخليج إنتاجها النفطي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً، مع تضرر طاقة التكرير بنحو 1.9 مليون برميل يومياً نتيجة توقف الشحن عبر مضيق هرمز، مما تسبب في أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، وتراجع حاد في بورصات المنطقة. طاقة تكرير النفط الخام في الخليج خسرت نحو 1.9 مليون برميل يومياً بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
هذه الوضعية فرضت على دول الخليج مزيد من الضغط على أمريكا إلى القيام بهجوم بري على إيران. الخبراء العسكريون يقولون أذا أرسلت أمريكا قوات برية إلى إيران فستكون تلك أسوأ ما يتعرض له الجيش الأمريكي في هذه الحرب. حاليا لا توجد لدى البيت الأبيض إرادة سياسية لإرسال قوات برية تهاجم في إيران عليهم أن يتذكروا أن أمريكا أخفقت في عملية مماثلة في الثمانينات تزامنت مع فضيحة ووتر غيت وان 78 بالمائة من الشعب الأمريكي كانوا ضد الحرب على إيران، لذا أجاب نائب الرئيس الأمريكي عن سؤال هل ستقوم باقتحام بري؟ “لن نقول لكم ما سنفعله أو ما لن نفعله”. علاوة على ان الحزب الجمهوري يخشى تبعات الحرب إذا استمرت، سيفقد الحزب الكثير من مقاعده في الكونجرس ومجلس الشيوخ، نظرا لارتباط هذه الحرب بأسعار الوقود والمنتجات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
إذا خسرت إيران الحرب ستكون الصين أول ضحية لها، سيتوقف أبوب الطاقة الذي يضخ في شرايين الاقتصاد الصيني مليون برميل من النفط يوميا. ستتعرض الصناعات الكبرى للصين لنكسة خطيرة وسيضعف رواجها التجاري ولعل هذا من الهداف المرسومة للهجوم على إيران
- إذا خسرت أمريكا وإسرائيل الحرب سيتغير النظام العالمي الحالي
ضرب دول الخليج وهي حجر الزاوية في الاقتصاد الأمريكي لكونها مركز المال والأعمال وسوق الأسهم التجارية الأمريكية وإذا تعطلت قدرات الخليج في تصدير وبيع النفط الذي هو في نظر أمريكا مركز استيراد طاقة رخيصة الثمن ووفيرة بفضل اتفاقيات الشراكة والاستثمارات في الأسهم التي تربط و.م. أ ودول الخليج وخصوصا الإمارات المتحدة، فإن الاقتصاد الأمريكي سينهار حتما وستدفع أمريكا وإسرائيل ثمن ذلك مضاعفا وهي تخوض حربها مع إيران من حيث تكلفة الحرب وأزمة الطاقة وارتفاع الأسعار. بالنسبة للحرب فمن الواضح ان إي ران امتلكت تكنولوجيا صواريخ متطورة لقد رأينا كيف يطارد عشرة صواريخ باتريوت الصاروخ الإيراني في سماء تل ابيب دون أن يصاب الصاروخ الذي سقط في قلب المدينة وهذا يعني أن هناك ازمة ذخيرة حربية قادمة بالنسبة لإسرائيل وأمريكا في الأيام القليلة المقبلة، بدا الرئيس ترامب يتحدث عن مزيد من تصنيع الأسلحة علاوة على ما يراه الخبراء أن الجيش الأمريكي لم يصمم لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد تجري في القرن الواحد والعشرين، بل كان تركيزه على خوض أي حرب في مدة قصيرة تضمن النصر والملاحظ أن أمريكا والدول الأخرى كانت تركز على صنع أسلحة متطورة وصواريخ معقدة جعلتها أساس نظام الدفاع العسكري لذا نرى صاروخ باليستي قيمته 1000 دولار يسقط طائرة ب 50 الف دولار وصاروخ باليستي متطور تكنولوجيا بصنع محلي تطلق عليه عدة صاروخ باتريوت بقيمة 10000 دولار للواحد قد تصبه وقد لا يصيبه.
- ما الذي ستخسره دول الخليج؟
كانت أمريكا وحلفاؤها في الخليج يراهنون على شرق أوسط جديد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي الشرق أوسطي،يكون محورهإسرائيل والخليج العربي بحكم التقارب بين إسرائيل وبعض دول الخليج، لضمان الأمن والاستقرار اللازمين للتنمية الاقتصاديةمع البحث عن كيفية لإدارة الموارد في المنطقة بشراكة بين حلفاء المحور الأمريكي الإسرائيلي بما فيها البترول والطاقة المتجددة ومشاريع تحلية المياه والسياحة. في سياق ما يجري هل هناك توقعات بتشكيل شرق أوسط جديد بحسب التصور الأمريكي الإسرائيلي؟
أكبر الخسائر التي تمنى بها دول الخليج هو توقف تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز، سيؤدي ذلك إلى تعطيل الصادرات وستشهد أسهم الطاقة والبنوك هبوطاً حاداً. خسر مؤشر سوق دبي في الأسبوع الأول للحرب أكثر من 11% من قيمته مما جعل دول مجلس التعاون الخليجي تبدأ بمراجعة استثماراتها في الصناديق السيادية لتغطية خسائر الحرب. . هذا بالنسبة للخليج وعالميا تتجه الأزمة نحو التعقيد بحيث أخرجت الدول الغربية وأمريكا احتياطات النفط.
يبدو واضحا أن هذه الحرب ستخلف أزمة اقتصادية عالمية تتعمق باستمرار خصوصا بعد اغلاق مضيق هرمز وضرب القواعد الأمريكية ومصادر الطاقة في الخليج، حرب لم تترك لحد الساعة فرصة للمضي في ب الذي بدأ به ترامب الحرب وتعتبر الخطة فاشلة جراء الحرب التي قد تستمر عدة أسابيع أخرى. إيران تدفع منذ البداية باتجاه حرب اقتصادية مدمرة فهي تستهدف مراكز التجارة ومقرات المال والأعمال والفنادق ومصادر الطاقة وناقلات البترول في خطوة لتدمير الاقتصاد الخليجي القائم على السياحة وصادرات البترول لقد ركز الاقتصاد الخليجي على القطاع الثالث والقطاع السياحي وحركة المال والأعمال ولم يتوجه نحو تنويع الاقتصاد لضمان ديمومة مصادر الثروة الوطنية، وبوصفة اقتصاد يعتمد على بيع البترول وعائدات السياحة، فهو اقتصاد ريعي بامتياز، في حين ذهبت السعودية الى تفكير أكثر طموحا في بناء مدن سياحية فضائية كمدينة نيوم [1]التي تريد السعودية بناءها في قلب صحراء الربع الخالي، لذا فإن ضرب مصادر الإنتاج البترولية والقطاع السياحي في الخليج سيكون قضاء مبرما على الاقتصاد الخليجي وطعنة في الصميم في النشاط الاقتصادي الدولي.[2]
حرب استنزاف طويلة تنتظر المنطقة وإيران تضرب أهدافا اقتصادية وعسكرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ودمار واسع النطاق في إيران وفي إسرائيل وتوقف شريان الاقتصاد العالمي في مضيق هرمز، كلها معطيات يمكن التوقف عندها للنظر في مستقبل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وتقدير حسابات الشرق أوسط الجديد الذي كان يحلم به الرئيس ترامب وصديقه الوفي نتنياهو.
- مآل القطبية الدولية ومن المستفيد من هذه الحرب؟
ليست إسرائيل وليست أمريكا ولو فازا في “حرب الخليج الثالثة”، فقد خسرا الحرب، خسر ترامب شعبيته في الانتخابات القادمة وخسر نتنياهو دعم الشارع الإسرائيلي بعد أن حقق نتائج إيجابية في حرب الإبادة على غزة وضمه الضفة الغربية وافراغ اتفاقية أوسلو 93 من محتواها، الآن كمقامر دخل اللعبة بكل ما يملك يخسر كل شيء، وستبقى الصين هي المستفيد الأول والأخير من هذه الحرب. لم تكن تخطط الصين لهذه الصفقة من قبل، بل بذكاء ناذر تركت هندسة المشهد في الشرق الأوسط للولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها المندفعة بوهم القوة لخلط الأوراق والسقوط في الفخ الإيراني. بقيت الصين نصيرا لإيران من بعيد تدعمها بالتكنولوجيا والأسلحة والابتكار والاستعلامات لتقوم بحرب نيابة عنها من أجل السوق وحماية الرواج التجاري الصيني لتجني ثمارها دون ان تطلق رصاصة واحدة ضد أمريكا. بقيت الصين بمنأى عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد العالمي الآن وقد تتضرر الصين حين تقف أنابيب النفط عن التدفق من إيران نحو المدن الصناعية في الصين وهذا لم يحدث حتى الآن، فما زالت أنابيب النفط تضخ الطاقة في شرايين الاقتصاد الصيني بحوالي مليون برميل يوميا انطلاقا من إيران في عز الحرب الأمريكي الإسرائيلية. يعتمد الاقتصاد الصيني حاليا على نسبة 80% إلى 90% من صادرات النفط الإيراني، وهو ما يشكل حوالي 11% إلى 13% من إجمالي واردات الصين النفطية وهي واردات تجعل الصين في مأمن من الأضرار الاقتصادية وتبقي احتياطها من الوقود مستقرا بينما بدأت كل الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان استعمال مخزون احتياطي النفط الذي تذخره للأزمات.
أما تداعيات هذه الحرب الكارثية، فه يحرب اقتصادية بالدرجة الأولى لكنها معركة خاصة قد تجر وراءها عدة حروب أخرى استراتيجية وجيوسياسية متفرقة في مناطق أخرى من العالم وفرصة لتزايد نشاط المنظمات الانفصالية والحروب الأهلية والانقلابات وخصوصا في افريقيا. من شأنها أيضا أن تعيد ترتيب النظام العالمي بمحو القطبية الواحدة ودفعه نحو عالم متعدد الأقطاب ومزيد من الفوضى وبروز لاعبين آخرين على مسرح الأحداث العالمية. هذه المؤشرات الخطيرة لا لم تكن تجسد مخاوف الرئيس ترامب قبل إعلانه الحرب على إيران، قد يرى أن الحجم الحقيقي الذي تبوأه بعد هذه الحرب يستحق مراجعة شاملة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية بما فيه العلاقات التقليدية القائمة بين أمريكا وأوروبا التي دمرتها السياسة الحمائية للاقتصاد الأمريكي التي لم تقدم شيئا إيجابيا لفائدة أمريكا بقدر ما دمرت التواصل التاريخي الذي كان يجمع أمريكا بباقي العالم. الآن يرى الرئيس ترامب أن وقف هذه الحرب لها ما يبررها خصوصا بالانتخابات الرئاسية القادمة وحظوظه في البقاء في البيت البيض، الشارع الأمريكي لا يبدو متحمسا من أجل استمرار هذه الحرب كما كان في السابق، لذا عليه ان يجد مخرجا لإيقاف النزيف الاقتصادي الذي بدأت تشكو منه كبريات دول العالم قبل الدول الصغرى، فالدول الأوروبية أخرجت الاحتياطي النفطي للحفاظ على سعر البترول وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وهذه مؤشرات مخيفة مستقبلا تقف كلها ضد استمرار هذه الحرب.
[1] مشروع بيئي لمجمع سكني حداثي يكلف 7000 مليار دولار
[2] على عكس الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعرف تنوعا في الإنتاج وقطاعية مبتكرة قادرة على المنافسة





