
كش بريس/التحرير ـ شرعت ملفات الفساد التي تقدمت بها جمعيات مدنية خلال السنوات الماضية في الإغلاق تباعاً، دون الخوض في جوهرها، وذلك عقب دخول قانون المسطرة الجنائية بصيغته الجديدة حيز التطبيق، ولا سيما المقتضيات الواردة في مادته الثالثة، التي قيدت إمكانية تبليغ المجتمع المدني عن جرائم الفساد.
وفي هذا السياق، توصلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بإشعار رسمي من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، يفيد بحفظ الشكاية التي كانت قد تقدمت بها ضد وزير الصحة الأسبق ووالي جهة فاس-مكناس الحالي، خالد آيت الطالب، على خلفية شبهات تتعلق باختلاس وتبديد المال العام.
وأوضح الوكيل العام أن قرار الحفظ استند إلى المانع القانوني الذي أقرته المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أن هذا المقتضى يحول دون مواصلة النظر في الشكاية التي أودعتها الجمعية سنة 2021.
هذا القرار أثار موجة من الاستغراب داخل أوساط الجمعية الحقوقية، خاصة أن الشكاية ظلت دون حسم طيلة سنوات، إلى أن تم تفعيل القانون الجديد وتطبيق مقتضياته عليها، رغم أنها وضعت في ظل مسطرة قانونية سابقة لم تكن تتضمن أي منع للجمعيات من التبليغ عن الفساد، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة حول أسباب إبقاء الملف معلقاً لأكثر من أربع سنوات.
وفي تعليق له على الموضوع، اعتبر المحامي مصطفى المنوزي أن اعتماد المادة الثالثة لتبرير الحفظ يطرح إشكالاً قانونياً واضحاً، متسائلاً عن دوافع انتظار النيابة العامة كل هذه المدة قبل تفعيل مقتضيات قانون لاحق على وقائع سابقة، في تعارض صريح مع مبدأ عدم رجعية القوانين. كما أثار تساؤلاً آخر حول مدى اختصاص الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بحفظ شكاية موجهة ضد وزير سابق، مبرزاً أن الجهة المختصة، وفق المساطر المعمول بها، هي الغرفة الجنائية بمحكمة النقض عبر إحالة من الوكيل العام لديها.
وتأتي هذه التطورات في ظل جدل حقوقي متواصل رافق المصادقة على المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، والتي قوبلت برفض واسع من قبل الهيئات الحقوقية والسياسية والنقابية، باعتبارها تضييقاً على أدوار المجتمع المدني في التصدي للفساد، ومنحاً ضمنياً للحماية من المتابعة في قضايا نهب المال العام.
وكانت عدة تنظيمات قد خاضت وقفات واحتجاجات خلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، مطالبة بحذف هذه المادة أو إخضاعها لمراقبة المحكمة الدستورية، غير أن تلك الدعوات لم تلقَ أي تجاوب رسمي، ليفتح دخول القانون الجديد حيز التنفيذ فصلاً جديداً من الجدل حول مستقبل مكافحة الفساد وأدوار الفاعلين المدنيين في هذا المجال.





