‏آخر المستجداترمضان1445فنون وثقافة

رمضانيات” يكتبها د منصور مالك (لندن): البابُ الباطنيُّ وامتحانُ النَّفس

ـ دراسةٌ روحيّةٌ لقصّةِ آدمَ عليه السلام في ضوءِ سورةِ الأعراف ـ

إعلانُ الخَلْقِ والتكريم

في القرآن الكريم، ولا سيّما في سورة الأعراف، يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.
فسجدوا إلا إبليس. كان ذلك أوّل إعلانٍ لكرامة الإنسان.

خُلِق الإنسان من طين، لكن نُفِخ فيه من روح الله. فقيمته ليست في مادّته، بل في نسبته إلى خالقه. وفي تلك اللحظة أُسندت إليه خلافةُ الأرض وأمانتُها.

رفضُ إبليس وكِبْرُه

إبليس قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.

كان ذلك أوّل ذنبٍ في التاريخ: الكِبْر. فالمقارنة بين النار والطين هي في حقيقتها مقارنةٌ بين الأنا والتواضع. العلم والعبادة والمقام لا تُنجي صاحبها إذا تسلّل شعورُ التفوّق إلى قلبه.

الكِبْر يربط الإنسان بنفسه لا بربّه، ومن هنا يدخل الشيطان.

إمهالُ الشيطان وعزمُه على الإغواء

طلب إبليسُ المُهلة، وأعلن أنه سيُضلّ الإنسان عن الصراط المستقيم. قوّة الشيطان ليست في الإكراه بل في الوسوسة؛ لا يُجبر، بل يُزيّن ويُقنع.

وهذا تحذيرٌ دائم: الحياة ميدانُ ابتلاء، والعدوّ ليس ظاهرًا دائمًا، بل يهمس في الباطن.

الإقامةُ في الجنّة والنهيُ عن الشجرة

أُسكن آدمُ عليه السلام وزوجه في الجنّة، ونُهيا عن الاقتراب من شجرةٍ معيّنة. لم يكن النهيُ إلغاءً للحرّيّة، بل اختبارًا للطاعة. فحقيقة العبوديّة أن يتبع الإنسان الأمرَ لا الهوى.

الزلّةُ وانكشافُ الحقيقة

زيّن الشيطان لهما الخلودَ والملكَ الذي لا يبلى. فكانت الزلّة. فلمّا ذاقا من الشجرة انكشفت لهما سوآتهما وأدركا ضعفهما.

تلك اللحظة تُجسّد حقيقة الإنسان: يخطئ، لكنّه مُنِح وعيَ الخطأ.
التوبةُ والرجوع

قال آدم عليه السلام فورًا:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23).

هذه الكلمات تاجُ الكرامة الإنسانيّة. بعد الذنب ليس إنكارٌ بل اعتراف، وليس عنادٌ بل رجوع. هنا يُفتح البابُ الباطني.

الهبوطُ إلى الأرض: عقوبةٌ أم مسؤوليّة؟

لم يكن الهبوطُ إلى الأرض مجرّد عقوبة، بل كان تكليفًا ومسؤوليّة. أُرسل الإنسان ليُقيم العدل، ويجعل العلم أمانة، ويُجاهد نفسَه ليستمع إلى صوت الروح. كانت الجنّةُ مقامَ السكينة، أمّا الأرض فهي ميدانُ الوعي والعمل.

وقصّة آدم هي قصّة كلّ إنسان:
كُرِّم،
واختُبر،
فزلّ،
فتاب،
ثمّ حُمِّل مسؤوليّة الأرض.

أهمّ الدروس
• الكِبْر أعظم أسباب السقوط.
• الشيطان وسوسةٌ لا إكراه.
• بعد الزلّة تكون التوبةُ طريقَ النجاة.
• لباسُ التقوى خيرُ لباس.
• الدنيا دارُ عبورٍ وامتحان.
الخلاصةُ الروحيّة

في داخل كلّ إنسانٍ آدمٌ ووسوسة. كلُّ يومٍ شجرةٌ يُنهى عن الاقتراب منها. وكلُّ لحظةٍ فرصةٌ لنقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ فنفتح بابَ الباطن.

عظمةُ آدم ليست في عصمته من الزلل، بل في تواضعه وتوبته. الأرض ليست عقوبةً بل أمانة، والنفسُ ميدانُ الامتحان، والروحُ دليل. والبابُ مفتوحٌ دائمًا — بشرط أن نطرقه، وأن نسارعَ إلى التوبة والاستغفار بعد كلّ خطأٍ وذنب.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button