
كش بريس/خاص ـ واصلت فرنسا خلال سنة 2025 معايشة تداعيات الأزمة السياسية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لعام 2004، في ظل تعمق الانقسامات الحزبية واستمرار حالة عدم الاستقرار داخل البرلمان، وعجز الجمعية الوطنية عن إفراز أغلبية قادرة على ضمان الاستمرارية الحكومية. هذا الوضع أدى إلى تعاقب حكومات ضعيفة، كثيرًا ما شُلّت قدرتها على العمل بفعل تكرار مذكرات حجب الثقة، ما فاقم منسوب فقدان الثقة لدى المواطنين وأسهم في تصاعد التوترات الاجتماعية.
فبعد إسقاط حكومة ميشال بارنييه في نهاية سنة 2024 نتيجة تصويت بحجب الثقة، شهد عام 2025 سقوط حكومة خليفته فرانسوا بايرو، زعيم حزب «موديم» الوسطي اليميني وحليف الرئيس إيمانويل ماكرون، عقب فشلها في نيل ثقة البرلمان خلال جلسة التصويت التي دعا إليها في الثامن من شتنبر/سبتمبر. وجاء ذلك في سياق رفض غالبية النواب للخطة التقشفية التي اقترحها بايرو لخفض الدين العمومي ضمن مشروع ميزانية سنة 2026، والتي تضمنت تقليصًا كبيرًا في النفقات العامة قُدّر بحوالي 44 مليار يورو، إلى جانب إجراءات اجتماعية اعتُبرت غير مقبولة على نطاق واسع.
وفي أعقاب سقوط حكومة بايرو، عيّن الرئيس ماكرون وزير الجيوش في حكومته، سيباستيان لوكورنو، رئيسا جديدا للوزراء. غير أن هذا الأخير، البالغ من العمر 39 عامًا، لم يلبث أن قدّم استقالته فور الإعلان عن تشكيلته الحكومية، على خلفية موجة احتجاجات واسعة، لتسجَّل حكومته كالأقصر عمرًا في تاريخ الجمهورية الخامسة. ورغم ذلك، أعاد الرئيس تعيين لوكورنو في العاشر من أكتوبر لتشكيل حكومة ثانية، والدخول في معركة تمرير ميزانية عام 2026.
وتمكنت حكومة لوكورنو الثانية من تفادي السقوط بصعوبة، بعدما فشلت مذكرتا حجب الثقة اللتان تقدّم بهما كل من حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد في الحصول على الأغلبية اللازمة لإسقاطها داخل الجمعية الوطنية. وجاء ذلك بفضل موقف الحزب الاشتراكي، الذي اختار عدم التصويت لصالح حجب الثقة عقب انتزاعه تنازلات مهمة، أبرزها تعليق إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل، والذي كان قد فُرض سابقًا باستخدام المادة 49.3 من الدستور، التي تتيح للحكومة تمرير القوانين دون تصويت برلماني. وبموجب هذه التنازلات، جرى تجميد سن التقاعد القانوني عند 62 عامًا وتسعة أشهر، والإبقاء على عدد الفصول المطلوبة للتقاعد الكامل في 170 فصلًا، ما شكّل تراجعًا واضحًا عن أحد أعمدة السياسة الاقتصادية للرئيس ماكرون.
وبعد شهرين من النقاشات البرلمانية الحادة والمشحونة، صادق النواب بفارق ضئيل على ميزانية الضمان الاجتماعي لسنة 2026، على أن تُحال لاحقًا إلى المجلس الدستوري قبل نشرها رسميًا في الجريدة الرسمية. واعتُبرت هذه الخطوة انتصارا سياسيا مهما لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الذي نجح في تمرير النص داخل برلمان منقسم ومن دون اللجوء إلى فرضه بالقوة، كما كان قد تعهّد.
وقبيل نهاية عام 2025 بأسبوع واحد، صادق البرلمان بالإجماع على مشروع قانون خاص يهدف إلى ضمان الاستمرارية المؤقتة لتمويل الدولة، إلى حين استئناف مناقشات الموازنة العامة مطلع عام 2026. وكان هذا النص قد قُدّم من طرف الحكومة عقب فشل اللجنة المشتركة المتساوية الأعضاء، التي تضم نوابًا وسيناتورات، في التوصل إلى توافق حول مشروع الميزانية الجديدة. ويُذكر أن فرنسا سبق أن لجأت إلى إجراء مماثل في ديسمبر 2024، عقب إسقاط حكومة ميشال بارنييه، لضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.





