
كان للفرق الإسلامية، أو التي تأثرت بالإسلام، أو التي حاولت التأثير عليه، من خلال جماعات تستند إلى عقائد كونية أو وثنية، وهدمه من الداخل بدعوى تحقيق العدالة، ومحاربة الذين استولوا على السلطة بالغصب في رأيهم- كان لهذه الفرق-التي يزعم البعض أنها تجاوزت السبعين فرقة- دور هام في التأريخ الإسلامي، حتى أن البعض اعتبرها علامات فارقة إيجابية تأثرا بالاستشراق أو بالماركسية، في محاولة لإقحام هذا الفكر باعتبار هذه الجماعات نواة اشتراكية، وهو ما لا يستقيم مع ظرفية نشوء هذه الفرق، وما قامت به من مذابح وانتقام، وكما فعل الزنج أو القرامطة. وهناك فرق أخرى تأثرت أو تأسست في أرض الإسلام، لكنها خرجت من الشرق ومن الدين ككل إلى الكفر مثل البهائية. وفرق أخرى تأثرت ببعض مظاهر الإسلام، مثل السيخية في الهند، والقاديانية في باكستان والهند.
كان لظهور هذه الجماعات تأثير عام في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، فقد نشأت بعد ظهور الإسلام ووفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، واختلاف الصحابة حول من يتولى الخلافة أو السلطة بعده. وبعد اجتماع سقيفة بني ساعدة في 632م، اتفقت غالبية الحضور من الصحابة على إسناد أمر الخلافة إلى أبي بكر الصديق –ض– بدل الإمام علي ابن أبي طالب –ض– الذي لم يحضر اجتماع السقيفة لاشتغال بني هاشم بجنازة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومما زاد الصراع احتداما إثارة أبي بكر الصديق النزاع حول بستان فداك، وهو حقل اشتراه الرسول عليه الصلاة السلام لابنته فاطمة الزهراء –ض– نظرا للصعوبة التي كانت تواجهها معاشيا، فكلفت به شخصا على أساس اقتسام المنتوج، إلا أن أبا بكر-ض- صادره بدعوى أن الأنبياء لا يورثون. وزاد الصراع حدة الخطبة التي ألقتها فاطمة الزهراء -ض- من على المنبر بالمسجد النبوي وذكرت فيها أن أبا بكر -ض- ليس أهلا للخلافة. وقد توفيت بعد ستة أشهر وأوصت بدفنها ليلا، حتى لا يحضر خصومها (وعلى رأسهم أبو بكر وعمر -ض-) جنازتها. بعد هذه المرحلة خرجت إلى الوجود جماعتان: الأولى تمسكت بأحقية علي بن أبي طالب “ض” بالخلافة اعتبارا لمزاياه الشخصية ولقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، واستنادا إلى حديث الغدير الذي جاء فيه:«من كان علي مولاه فأنا مولاه»، ويروى الحديث بصيغة أخرى عند الإمامية «علي مني وأنا من علي وهو وليكم بعدي». وقد استدل فقهاء الإمامية على ذلك بما جاء في سورة المائدة: «إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» سورة المائدة الآية 55. واتفقت الإمامية على أنها نزلت في الإمام علي –ض-، بينما اعترض البعض من أئمة السنة وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية الذي أكد أن الآية غير مخصوصة بدليل عموميتها، قائلا في منهاج السنة «…. وأجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة».
أما الجماعة الثانية فقد اعتمدت قاعدة الأغلبية الحاضرة في اجتماع سقيفة بني ساعدة، وكون الرسول عليه الصلاة السلام والقرآن الكريم لم يضع أي منهما الخلافة في علي، وإنما “ترك أمرهم شورى بينهم”.
لقد كان هذا بداية فلسفة التأويل، التي تطورت مع بعض الجماعات الأخرى إلى تأويلات منافية للإسلام فيما بعد. ورغم ذلك، فإن هذه المرحلة تميزت بكون الصحابة حافظوا على تواصلهم و اتفاقهم على الحد الأدنى، مراعاة لصعوبة المرحلة و اتقاء لأي خلاف قد يؤدي إلى فتنة، ومع ذلك فإن وجود الحزبين قد استمر و استمر معه خلافهما. فحزب علي بن أبي طالب “ض” كان من أعضائه الكبار أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر “ض” وغيرهم. وحزب أبي بكر الصديق “ض” كان من كبار رجاله: عثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب “ض“، وآل سفيان، وبنو حرب، الذين كانوا قد هجَّروا الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة، وانخرطوا بعد انتصار الإسلام بقوة مستفيدين من هذه الخلافات للاستيلاء على السلطة فيما بعد.
كان هذا الخلاف النواة الأولى التي أدت، بعد توسع دار الإسلام واعتناقه من شعوب مختلفة، وسيطرة الدولة الإسلامية على مقاليد السلطة في بلدان عديدة. واشتد الخلاف مع نشوء دولة بني أمية بعد اغتيال الخليفة عثمان، والإمام علي، والحسن والحسين وغيرهم (في ظروف غامضة أحيانا ظاهرة أخرى مثل قتل الحسين في حرب الكوفة)، وإنشاء معاوية لولاية العهد، مما منح حزب الشيعة قوة أكبر للدفاع عن أفكاره وجمع المعارضين لحكم بني أمية، وبعدهم بني العباس. وصار الشعار هو جمع المستضعفين في الأرض لمواجهة طغاة بني أمية وبني العباس الذين استولوا على السلطة غصبا وابتعدوا عن قيم الإسلام، فتطور التأويل، واختلاق الأحاديث. ودخلت أفكار جديدة مع دخول شعوب ذات حمولة فكرية وفلسفية للإسلام، محاولة تدميره من الداخل واستغلال هذا الخلاف لأغراض سياسية أو عقائدية من طرف جماعات أخرى.
هذا الخلاف كان بين فريقين، كلاهما جزء من الإسلام، وخلال هذه المرحلة دارت حرب الجمل بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، ومقتل الإمام علي –ض– من طرف الخوارج، والإمام الحسين من طرف الأمويين. وفي سنة 148 هـ، وبعد وفاة الإمام جعفر الصادق -سادس الأئمة الشيعة- أنكر جزء من الشيعة تولي موسى الكاظم الإمامة بعده، وقد كانوا يعتبرون الإمام هو إسماعيل بن جعفر الصادق الذي توفي في حياة والده، فانتقلت الإمامة من (من إسماعيل) إلى ابنه محمد. ويظهر من خلال الأحداث التاريخية أن هذا الأمر لم يكن ذا أهمية بالنظر إلى قلة عدد أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق، وإنما استغل الخلاف حوله لتوسيع دائرة الصراع والنزاع، وهدم المؤسسات الإسلامية سواء كانت سنية أو شيعية. وكان من أوائل الذين استغلوا هذا الخلاف، ووضعوا أفكارا جديدة تستمد قوتها من العقائد السابقة على الإسلام خاصة المزدكية والهندوسية، وحتى بعض الأفكار المسيحية واليهودية ميمون بن قداح. كان هذا الشخص يحاول عبر هذه الأفكار هدم الدولة الإسلامية، باستغلال الخلاف الشيعي/ السني، ثم الشيعي/ الشيعي، لوضع أفكار مرتكزة على عقائد قديمة. ولما كان الكثير من الشعوب التي دخلت الإسلام لا تزال تحمل بعض الأفكار السالفة من عقائدها، وتعاني من بعض التصرفات اللاإسلامية فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، فإن هذه الأفكار تحولت إلى عقيدة لدى بعض الجماعات، عززها إخوان الصفا بكتاباتهم، التي تأثر بها الكثيرون علما أنه (أي إخوان الصفا) لا علاقة لهم بالإسلام، وهم أربعة أو خمسة أشخاص: أبو إسحاق الصابي، ويحي بن عدي، وأبو سلمان السجستاني، وماني المجوسي أو الزراديشتي. وقد تطور التأويل مع ظهور هذه الأفكار وأصبح للآيات والأحاديث معانٍ ظاهرة ومعانٍ خفية أو باطنية، وانخرطت جماعات مختلفة آمنت بهذه الأفكار لأسباب مختلفة، البعض (كالقيادات) من أجل السلطة، والأكثرية من أجل وضع حد للظلم الاجتماعي والاقتصادي، إذ أغلب الناس لا تهمهم الأفكار بقدر ما يهمهم الوضع المادي. وتختلف المراجع في تحديد شخصيات إخوان الصفا، فهناك من يقول هم: أبو سليمان البسطي، والحسن الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوفي، وهناك من يضيف شخصا آخر يدعى ابن أبي البغل وكان منجما. ويختلفون في تاريخ ظهورهم بين قائل إنهم ظهروا في القرن الثامن الميلادي، وقائل إن ظهورهم في القرن الحادي عشر الميلادي، ويبدو أنهم من القرن الثامن أما الجماعة التي ظهرت بعد ذلك، فهي مجرد منتسبة لأفكارهم مضيفة إليها، لأن مرحلة القرن الثامن هي مرحلة الأفكار والخلافات المذهبية والفكرية.
هذا وقد بدأت الأفكار الإسماعيلية، بالخلاف حول من يتولى الإمامة بعد جعفر الصادق، موسى الكاظم أم محمد بن إسماعيل؟ ثم التأسيس لأفكار جديدة. ودخلت جماعات لا علاقة لها أصلا بآل البيت، وادعت أنها من سلالة علي وفاطمة، وكان على رأسهم المهدي أحد دعاة الإسماعيلية، ادعى في البداية أنه من نسل عقيل بن أبي طالب، شقيق الإمام علي. ولكن بعد رحيله إلى افريقيا، وتأسيسه دويلة في جزء من الجزائر وتونس الحاليتين، اتخذ لنفسه نسبا جديدا، زاعما أنه من سلالة علي وفاطمة، وأسس أبناءه الدولة الفاطمية بعد سيطرتهم على مصر، التي بقيت سنية رغم ذلك. ولقد تم تأسيس الدولة الإسماعيلية الأهم في العالم الإسلامي، والتي لاعلاقة لها بآل البيت إلا باستغلال الاسم. علما أن حسن الصباح –توفي في 1142م– أسس هو الآخر دويلة إسماعيلية صغيرة في إيران في منطقة تدعى “آلمُوت” أو عش النسر، وكان ذلك بعد الخلاف الذي تجدد بين المستعلي ونزار، حول من يتولى الخلافة أو الإمامة منهما، فبعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر في 1094 م، انقسم الإسماعيليون بين من أيدوا ابنه الأكبر منصور نزار، ومن أيدوا أخاه المستعلي بالله، الذي تولى الخلافة رغم أن المستنصر أوصى بخلافة نزار كما تذكر مصادر الذين عارضوا المستعلي بالله، واسمه قبل الخلافة أحمد أبو القاسم. وقد تمكن نزار من أن يعلن نفسه خليفة في مدينة الإسكندرية التي لجأ إليها في 1095م، ولقب نفسه المصطفى لدين الله، إلا أنه انهزم في معركة في نفس السنة وتم اعتقاله ثم قتل. وعلى إثر هذا انشقت جماعة ورفضت خلافة المستعلي بالله متمسكة بأن الخلافة لنزار، منهم جماعة حسن الصباح الذين حكموا آلموت، وتجاوزوا مبدأ الخلافة واعتبروا الأئمة فوق الأنبياء. وكان أحد خلفاء حسن الصباح واسمه حسن في 1164م، قد أعلن القيامة وألغى الشعائر. وقد أطلق على سكان آلموت اسم الحشاشين من طرف خصومهم، لأنهم يتناولون الحشيش ثم يأمرهم شيخهم حسن الصباح أو غيره بقتل واغتيال خصومه. وقد دخلت كلمة الحشاشين إلى اللهجات الأوروبية مع الحروب الصليبية وأصبحت – “أساسانAssassin –“، وكان خصومهم وغيرهم كالرحالة ماركو بولو –توفي في 1325– قد وصفوهم بالحشاشين، بيد أنهم لم يكونوا كذلك، وإنما يتعلق الأمر بعقيدة بلغت درجة القيام بأعمال الاغتيال بجرأة لا ينجو منها القاتل نفسه، فالتكوين وغسيل الدماغ والتربية، كلها تؤدي إلى قيام الشخص بأي فعل يطلبه زعيمه. وقد عرف التاريخ مثل هذه الأفعال في كوريا واليابان، وانتقلت إلى العصر الحديث فيما يعرف بالعمليات الانتحارية، وبعد مرحلة حسن الصباح، شهدت سوريا مثل ذلك بقيادة الاسماعيلي راشد بن سنان –توفي في 1193 م-. الذي كان يبعث مبعوثيه لقتل خصومه، إذ حاول اغتيال صلاح الدين الأيوبي وغيره من القيادات الإسلامية والصليبية، بنفس الطريقة التي وضع أسسها حسن الصباح في آلَمُوتْ.
وقد استغلت بعض القيادات في المنطقة ذلك لاغتيال بعض منافسيها، ونسب ذلك إلى الحشاشين. وكانت الجمهرة العامة من الناس تعتقد أن هذا الفعل (أي القتل بشكل انتحاري) لا يمكن أن يقدم عليه إلا شخص تم تخديره. وزادت القصص التي رواها ماركو بولو الذي مر بالمنطقة مع أبيه وعمه في طريقهم إلى الصين، من انتشار هذه الحكايات ذات الطابع المثير.
لقد توزع الاسماعيليون في عدة مناطق من العالم الإسلامي، واختلفت أسماؤهم في كل منطقة، فهم القرامطة في البحرين، وهم الفاطميون في مصر، وهم النزاريون في آلمُوتْ، وهم النصيريون في سوريا. وقد تم القضاء على القرامطة بعد قيامهم بالهجوم على مكة، وسرقة الحجر الأسود في سنة 930 م. وجرَوا عليهم عداء العالم الإسلامي بشكل نهائي، ولم يتعاطف معهم أحد بعد ذلك، رغم ادعاء كونهم حركة اجتماعية، فالواقع أنهم جماعة من الملاحدة ليس لهم فكر موحد ويعيشون فوضى فكرية ليس إلا.
كانت كل جماعة تتأثر بجغرافيتها الخاصة، وبالأفكار والعقائد القريبة منها جغرافيا. وكان للهندوسية، والمزدكية، والمسيحية، وحتى اليهودية، تأثيرٌ على تلك الجماعات في سياق معاداة الكل للدولة الإسلامية، سواء كانت أموية أو عباسية. وبالتالي صارت أفكارهم خليطا من عقائد و أفكار الجماعات، و الأفراد الذين انخرطوا فيها، وكانت هي في حاجة إلى المعارضين، ترضي كل من وقف في مواجهة الدولة التي تستغل الناس، و تستعبدهم وتستثني في المعارضة قاعدة توارث آل البيت الحكم، التي قادتها جماعات مختلفة لها أسس إسلامية واضحة مثل الزيديين (ثورة زيد بن الإمام زين العابدين)، والطالبيين (ثورات الطالبين كلهم)، اللذين كانوا يرفعون شعارات الإسلام والقواعد التي قام عليها، وهي توزيع الثروة على الجميع، وبناء دولة الإسلام على الشورى وحماية المستضعفين في الأرض مهما اختلفت أعراقهم ودياناتهم. وقد فشلت هذه الثورات، لكنها مع استمرارها أدت إلى تآكل دولتي الأمويين والعباسيين، وإلى تمزيق الإمبراطوريتين، وتأسيس دول إسلامية في مختلف الأصقاع تحمل نفس الشعارات.
المُرجئةُ
تبقى الجماعة التي ظهرت إثر الخلاف الذي نشب حول الخلافة في سقيفة بني ساعدة. وهذه الجماعة هي المُرجئة، الذين اعتبروا الصحابة كلهم سواسية، يحظون برضا الله، وأرجأوا أمر محاسبتهم إلى يوم البعث أو يوم القيامة. وهذه الجماعة التي تقدم الإيمان على العمل، لم يخوضوا في الخلاف حول الأحق بالخلافة، ولم يتخذوا موقف تأييد لأي من الطرفين، وإن كان الموقف يصب في مصلحة الأمويين بشكل غير مباشر، وتعتبر المرجئة الأساس التاريخي لما عرف فيما بعد بالسلفية أو السنة عامة، ظهرت المرجئة في الجناح السني، واعتمدت أفكارها في توسيع تأييد الاتجاه الذي يرتكز على احترام السلف الصالح، واعتبارهم على حق في مجموعهم دون الخوض في الخلافات التي تؤدي إلى الانشقاقات.
الـــزيــــديــةُ
وقد ظهر أيضا في الاتجاه الشيعي فكرٌ جديدٌ وضع أسسه الإمام زيد بن علي زين العابدين، عرف فيما بعد بالزيدية. كان الإمام زيد الأخ الأصغر للإمام محمد الباقرخامس الأئمة الإثنا عشرية. وكان مثل أخيه الأكبر شغوفا بالعلم، يحضر مجالس العلماء مهما اختلفت مشاربهم. وتتركز نظرية الإمام زيد على جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل وبيان ذلك أنه رغم أن علي بن أبي طالب –ض- هو الأفضل، فإن تفويض أمر الخلافة لأبي بكر وبعده لعمر –ض-…. مصلحة رآها الصحابة، خاصة أن الشيخين أبا بكر وعمر لم يتعمدا ظلم آل البيت، وإنما اجتهدا. ومعيار الخلافة هو العدل، فالشيخان أسسا خلافتهما على العدل والشورى بعكس بني أمية الذين ظلموا، ولا قياس مع وجود الفارق، واختيار الصحابة في السقيفة لا يقاس على غصب بني أمية للسلطة وظلمهم للناس، واستيلائهم على الثروات وعدم توزيعها على المستضعفين، وتعيين معاوية لابنه. لذلك آمن زيد بكون خلافة أبي بكر شرعية، وأن الإمام لا يشترط بالضرورة أن يكون من آل البيت، مادام محققا لشروط الشورى والعدل، وموافقة المؤمنين. أما الإمامية الإثنا عشرية، فيعتقدون جزما أن الخلافة تحددت بأمر إلهي في الأئمة دون غيرهم، وتبعهم نظريا الإسماعيليون.
من هذا نستخلص أن الاتجاهين: السني والشيعي الإثنا عشري، أسسهما آل البيت، وأضاف إليها فقهاء آخرون ومفكرون إضافات عديدة، حتى صارا اتجاهين متناقضين. في حين أنهما ينطلقان من منطلق ديني واحد، ولا يختلفان إلا في أمور سياسية، وفي بعض التفسيرات التي أساسها الخلاف حول الأحق بالسلطة. وكان للإمام زيد بن زين العابدين رأي جوهري في الموضوع، يعرف بالمذهب الزيدي، عرف طريقه إلى اليمن وبلدان أخرى، ويؤكد -كما سبق- على قاعدة المفضول والأفضل، وهو رأي كما يلاحظ أقرب إلى السنة، وأبعد من الإمامة الإثنا عشرية والاسماعيلية، يرفض مبدأ التوارث على حساب الشورى، وكون الأئمة معينين إلهيا كما تذهب الإمامية والإسماعيلية. وقد توفي الإمام زيد شهيدا في معركة مع جيش بني أمية في عهد هشام بن عبد الملك الأموي سنة 740 م.
لقد تم وضع الأفكار الجوهرية للمذهب الإثنا عشري في عهد الإمامين: محمد الباقر وجعفر الصادق، فالأول أفتى بالتقية، والثاني وضع المذهب الجعفري، وهو المذهب الخامس في الإسلام، ولا خلاف عليه من فقهاء السنة بالإجمال. ومن أهم مبادئ الإمامية أنه لا يجوز أن يرث الإمامة بعد الحسن والحسين أخ عن أخيه، وتم حصرها في أعقاب أبناء الحسين “ض” فقط. وقد واجهت الإمامة الإثنا عشرية منعرجات عبر التاريخ، كان أهمها مرحلة مابعد جعفر الصادق في 148 هـ، ومرحلة ما بعد الإمام الحسن العسكري بدون خلف واضح. وكان الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (الذي توفي عام 260 هـ) بدون خلف واضح، لكن فقهاء الإمامية الإثنا عشرية سرعان ما تجاوزوا هذه المشاكل بالجدل الفقهي الذي تميزوا به…..وأكدوا أن الإمام الثاني عشر قد غاب ليعود فيما بعد حسب مشيئة الله، الذي سيفرج عنه في زمن ما.
وكان الأئمة الشيعة الإثنا عشرية، حسب الفكر الشيعي:
- علي بن أبي طالب ، توفي عام 40 هـ.
- الحسن بن علي بن أبي طالب، توفي عام 50 هـ.
- الحسين بن علي بن أبي طالب، توفي عام 61 هـ.
- علي زين العابدين، توفي عام 94 هـ.
- محمد الباقر بن علي زين العابدين، توفي عام 113 هـ.
- جعفر الصادق بن محمد الباقر، توفي عام 148 هـ.
- موسى الكاظم بن جعفر ، توفي عام 183 هـ.
- علي الرضا بن موسى الكاظم، توفي عام 202 هـ.
- محمد الجواد بن علي الرضا، توفي عام 220 هـ.
- علي الهادي بن محمد الجواد، توفي عام 254 هـ.
- الحسن العسكري بن الهادي، توفي عام 260 هـ.
وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري ثار خلاف بين الإمامية الإثنا عشرية، فبعضهم قال إن الإمام لم يخلف أبناء. وكان على رأسهم أخوه جعفر، الذي سعى إلى أن يتقلد الإمامة، إلا أن الشرط الذي أوجب، أن لا يرث الإمامة شقيق أو أخ الإمام كان حائلا بينه و بينها. والبعض أكد أن الإمام خلف ابنا هو محمد المهدي، وقد أخفاه أبوه في سرداب حتى لا يتعرض للاغتيال من طرف بني العباس، كما جرى لعدة أئمة في العهدين الأموي والعباسي، مثل الإمام علي الرضا، الذي قيل إنه قتل في 202 هـ في عهد المأمون الذي كان عينه وليا للعهد، لكن غضب العائلة العباسية أرغمه على اغتياله لحل الإشكال بهدوء! وكانت قصة اختفاء الإمام الثاني عشر محمد المهدي في سامرا في سرداب بمنزل أبيه، قد تحولت عند الشيعة الإثنا عشرية، إلى عقيدة “الإمام الغائب” الذي سيعود ليملأ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن امتلأت ظلما وجورا.
ويرى ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ردا على الشيعية: «أن الإمامة ليست من الأصول، لأن التوحيد هو الأساس وليست الإمامة، وأن طاعة الله ورسوله لا تشترط حاضرا أو غائبا، إذ الحجية للأمة وليست للإمام، ولهذا لا ضرورة إلى إمام معصوم.».
فيؤكد:«هذه الأمة لا نبي بعد نبيها، فكانت عصمتها تقوم مقام النبوة، فلا يمكن لأحد منهم أن يبدل شيئا من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه، فلا تجتمع على ضلالة».
لقد اعتبر البعض أن الأمر يتعلق بفرضية ليس إلا، فللخروج من الأزمة التاريخية التي نتجت عن وفاة الإمام الحسن العسكري بدون خليفة ظاهر، التجأ فقهاء الإمامية الإثنا عشرية إلى افتراض وجود إمام غائب، والخروج النهائي من الأزمات والإشكالات التي واكبت حصر الإمامة في أبناء الإمام الحسين فقط، ووفاة الإمام الحسن العسكري بدون ولد ظاهر. لقد أكد فقهاء الإمامة الإثنا عشرية ومؤرخوها أن الإمام الحادي عشر( الإمام الحسن العسكري) خلف ولدا هو الإمام محمد المهدي الغائب / الحاضر، ومن هذه العقيدة خرجت جماعات عديدة اقتبست فكرة المهدوية متجاوزة الإمامية الإثنا عشرية إلى مفاهيم أخرى لا علاقة لها بالطرح الذي شرحه فقهاؤها ووضعوا أسسه. فقد تم استغلال الشيعية والمهدوية من طرف فرق ادعت الإسلام ظاهريا، ولها في الباطن أفكار أخرى، وبينما وضعت الإمامة الإثنا عشرية أسس فكرها في إطار الإسلام، استغلت فرق أخرى تلك الخلاصات الفكرية لأهداف لا علاقة لها بما قصدت إليه الإثنا عشرية. ومن الواضح أن الفكر الإثنا عشري لم يتبلور إلا في مرحلتي الإمامين: الباقر والصادق. أما السلف الشيعي فقد كان يرى الخلافة في الإمام علي ابن أبي طالب “ض” وحده.
لقد أدت هذه الإشكالات إلى أزمات في العقيدة الإثنا عشرية، خصوصا بعد وفاة الإمام جعفر الصادق (148 هـ)، والحسن العسكري (في 260 هـ)، كما استغلت جماعات أخرى خارج الإسلام، هذه العقيدة لتخريب البلدان الإسلامية، وتجاوز الحدود في المهدوية إلى التناسخ أو التقمص ونزول الإله مجسدا في أشخاص معينين عبر التاريخ. وأدى عدم ظهور الإمام خلال مئات الأعوام إلى أزمات فكرية جعلت فقهاء الإثنا عشرية يلجؤون إلى التحليل والجدل الفقهي، الذي زاد الأمور غموضا، واستغل من البعض لأهداف سياسية وأحيانا مالية، بظهور أفراد وجماعات زعموا أنهم التقوا الإمام الثاني عشر وكلفهم بأشياء ما. ترى الإثنا عشرية أن ظهور الإمام مرتبط بالإرادة الإلهية، والأمر ليس بمقدوره أو بمقدور شخص ما، وأن مرحلة ظهوره لم تأت بعد، والأمر موكول إلى الله. ومع مرور الزمن طرحت عدة نظريات لحل إشكال عدم ظهور الإمام الثاني عشر، كانت أهمها نظرية “ولاية الفقيه” التي جاء بها الإمام آية الله الخميني(توفي في 1989) والتي ترتكز على شرطين في الفقيه:
- أن يكون عالما.
- أن يكون عادلا.
وليس من الضروري أن يكون من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب “ض“، وهذا الفقيه يقوم بالواجبات التي توكل إليه على أساس المذهب الجعفري. ويقوم مقام الإمام الثاني عشر، وبهذه النظرية تم حل إشكال عدم ظهور الإمام، وأسست الدولة الإيرانية على قاعدة انتخابات شعبية مرتكزة على نظرية الإمام الغائب الذي يقوم مقامه الفقيه العالم العادل، وتسند فيها الأمور إلى حكومة إسلامية ترتكز على المذهب الجعفري، سواء في تسييرها أو في الأشخاص الذين تسند لهم مهامها. وقد عارض البعض من الشيعة هذا التوجه، لكن الغالبية وافقت عليه. خصوصا أن أيران الدولة الإسلامية/الشيعية الجعفرية الوحيدة في العالم الإسلامي وذات القوة البشرية والاقتصادية الهامة، قد انتهجته وسارت على هديه. وبالتالي فإن معارضة هذا التوجه لا تتجاوز جماعات صغيرة، لا تأثير لها على الغالبية الشيعية الإثنا عشرية التي حسمت عودة الإمام الغائب، باتخاذ نظرية ولاية الفقيه توجها ونبراسا، وتم وضع دستور بهذا الصدد، ووضع مؤسسات قضائية وانتخابية لاختيار الفقيه / الولي، وباقي أعضاء المؤسسات الأخرى كمؤسسة الرئاسة والبرلمان.

*باحث





