
كش بريس/خاص ـ يرى الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي فريد زكريا أن أي مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران قد تعكس ما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية بـ“مفارقة القوة المفرطة”، أي تلك اللحظة التي تتحول فيها القدرة العسكرية الكبرى إلى عامل جذب لصراعات محلية تستنزف الدولة المهيمنة أكثر مما تعزز نفوذها.
وفي قراءة تحليلية نشرها في صحيفة واشنطن بوست، يربط زكريا بين قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة توجيه البوصلة العسكرية نحو الشرق الأوسط وبين ميل تاريخي متكرر لدى القوى العظمى إلى الانخراط في مسارح نزاع بعيدة عن مركز التحدي الحقيقي لقوتها. فحين تمتلك دولة ما فائضاً من القوة العسكرية والقدرة على التدخل، يصبح إغراء استخدامها في الأزمات الإقليمية أمراً متكرراً، حتى لو كانت تلك الأزمات بعيدة عن المعادلة الاستراتيجية الكبرى.
ويشير الكاتب إلى أن النقاش داخل دوائر القرار في واشنطن، منذ أكثر من عقد، كان يميل إلى مراجعة شاملة للانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تجارب التدخل في العراق وأفغانستان وليبيا. فقد خلص كثير من صناع القرار إلى أن تلك الحروب لم تحقق التحولات السياسية التي وعدت بها، بل أنتجت تكاليف مالية وبشرية كبيرة وأعادت تشكيل المنطقة بطرق لم تكن متوقعة.
في المقابل، بدأت تتشكل قناعة داخل المؤسسة الاستراتيجية الأمريكية بأن مركز الثقل في الصراع العالمي يتحول تدريجياً نحو آسيا، حيث يبرز صعود الصين بوصفه التحدي البنيوي الأكبر للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. فالمنافسة هناك لا تدور حول السيطرة العسكرية المباشرة بقدر ما تتعلق بالتفوق التكنولوجي والاقتصادي، وهي ميادين قد تحدد توازن القوى في العقود المقبلة.
ولشرح المخاطر الكامنة في العودة إلى دوامة النزاعات الشرق أوسطية، يستحضر زكريا تجربة بريطانيا خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد كانت لندن آنذاك القوة الاقتصادية والمالية الأبرز في العالم، وتسيطر على شبكة واسعة من المستعمرات، فيما كان الجنيه الإسترليني يشكل محور النظام المالي الدولي. ومع ذلك، وجدت الإمبراطورية البريطانية نفسها منخرطة في سلسلة من التدخلات العسكرية في مناطق بعيدة مثل السودان والصومال والعراق والأردن.
هذه التدخلات بدت في حينها جزءاً من حماية المصالح الإمبراطورية، لكنها في الواقع استنزفت طاقة الدولة العظمى وأغرقت مؤسساتها السياسية والعسكرية في إدارة أزمات متفرقة، بينما كانت قوى أخرى تبني عناصر قوتها الاقتصادية والعسكرية بعيداً عن الضجيج الإمبراطوري.
ومن هذا المنظور، يرى الكاتب أن الولايات المتحدة قد تواجه معضلة مشابهة اليوم. فالانخراط في صراعات الشرق الأوسط قد يبدو مبرراً من زاوية الأمن أو السياسة الداخلية أو حماية الحلفاء، غير أنه يستهلك قدراً كبيراً من الموارد والاهتمام الاستراتيجي، في وقت تتصاعد فيه تحديات أكثر عمقاً في النظام الدولي.
وتبرز في هذا السياق قوتان أساسيتان في الحسابات الأمريكية: الأولى هي الصين التي تركز بشكل متسارع على الابتكار التكنولوجي وتطوير الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، بما قد يمنحها موقعاً متقدماً في معادلة القوة العالمية. أما الثانية فهي روسيا التي تعمل على إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في أوروبا، عبر مزيج من الأدوات العسكرية والتقنيات غير التقليدية في الصراع السياسي والإعلامي.
في ضوء هذه المعادلة، يحذر زكريا من أن الانجراف نحو مواجهات جديدة في الشرق الأوسط قد يبدد قدرة واشنطن على التركيز على التحديات الأكثر حسماً في القرن الحادي والعشرين. فالحروب المحدودة التي تبدو قصيرة وسهلة في بدايتها غالباً ما تتحول مع مرور الوقت إلى التزامات طويلة ومعقدة، تتطلب موارد هائلة وإدارة سياسية مستمرة.
ويخلص التحليل إلى فكرة محورية في تاريخ الإمبراطوريات: أن التراجع لا يحدث عادة نتيجة هزيمة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة تراكم الاستنزاف الناجم عن التوسع المفرط والانخراط في صراعات ثانوية، بينما تتشكل في مكان آخر موازين قوة جديدة تعيد رسم خريطة النظام الدولي.





