‏آخر المستجداتفنون وثقافة

قراءةنقديةتحليلية في مقال «هل يحرس الشعرالعربي قلق العالم؟» للدكتور مصطفى غلمان

كتبت: اطمة الزهراء اشهيبة*:

يُقدِّم الدكتور مصطفى غلمان في هذا المقال الاحتفائي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية رؤيةً فلسفيةً عميقةً تتجاوز حدود الاحتفاء المناسباتي إلى فضاء التأمل الوجودي في طبيعة الشعر العربي ووظيفته الحضارية. ينطلق النص من سؤال جوهري يضعه في عنوانه ذاته: هل يحرس الشعر العربي قلق العالم؟ وهو سؤال يحمل في طياته إشكاليات معرفية متعددة تتصل بمفهوم الحراسة، وبطبيعة القلق الإنساني، وبقدرة اللغة الشعرية على استيعاب هذا القلق والتعبير عنه.

يتأسس المقال على بنية فكرية محكمة تنتظم في ثلاثة محاور متداخلة: المحور الأول يتعلق بالتأصيل الأنطولوجي للشعر العربي بوصفه كينونةً لا مجرد قول، إذ يرتقي الكاتب بالشعر من مستوى الأداة التعبيرية إلى مستوى الوجود ذاته، فالشعر عنده «قبضة على الوجود وسباحة في أعالي المعنى». والمحور الثاني يتصل بالتشخيص النقدي للراهن الشعري العربي في ظل التحولات الرقمية والإعلامية المتسارعة، حيث يرصد الكاتب ما يعتري الشعر من تهديدات وجودية تمس مكانته ووظيفته. أما المحور الثالث فيتمحور حول الرهانات المستقبلية والمبادرات الممكنة لإعادة وصل الشعر بمصادر دهشته الأولى.

يتميز النص بكثافة بلاغية لافتة تجعله أقرب إلى الخطاب الشعري منه إلى المقال النثري التقليدي، وهو ما يتسق مع موضوعه الذي يحتفي بالشعر ولغته. يوظف الكاتب الاستعارات الوجودية بإتقان، فالشعر «فالق واعٍ لطاقات التحول»، واللغة «دم نابض» لا أداة عابرة، والشعر يُشهر «سيف عشقه لا ليجرح بل ليعلن اكتمال القمر». هذه الاستعارات ليست زخرفاً بلاغياً، بل هي أدوات معرفية تكشف عن تصور فلسفي عميق للعلاقة بين الشعر والوجود. غير أن هذه الكثافة البلاغية قد تُثقل النص أحياناً وتحجب وضوح الفكرة، وهو ما يستدعي من القارئ جهداً تأويلياً مضاعفاً.

يطرح الكاتب منظومة من الأسئلة المتشابكة التي تكشف عن وعي نقدي حاد بأزمة الشعر العربي المعاصر: كيف يحرس الشعر العربي قلق العالم؟ وما السر الذي يجعله قادراً على ملامسة الجرح الكوني من داخل لغته الخاصة؟ وهل تستجيب أنماطنا الثقافية واللغوية القديمة لمتطلبات العالم الجديد؟ هذه الأسئلة تتجاوز البعد الجمالي إلى البعد الحضاري والوجودي، إذ يربط الكاتب بين مصير الشعر العربي ومصير الهوية الجماعية العربية ذاتها. والملاحظ أن النص يطرح هذه الأسئلة دون أن يقدم إجابات قاطعة، وهو ما يمنحه طابعاً تأملياً مفتوحاً يدعو القارئ إلى المشاركة في التفكير.

يتبنى الكاتب موقفاً توفيقياً دقيقاً من جدلية التراث والحداثة، فهو يرفض الارتهان للنوستالجيا والتقوقع في الماضي، كما يرفض الذوبان في استنساخ الآخر. يرى أن الشعر العربي مطالب بأن «يعيد ابتكار نفسه لا لينجو فحسب، بل ليشارك في صياغة معنى العيش المشترك». هذا الموقف يعكس وعياً بضرورة التجديد من داخل الذات الثقافية لا من خارجها، وبأهمية الحفاظ على الخصوصية دون الانغلاق. غير أن النص لا يقدم آليات عملية واضحة لتحقيق هذا التوازن الصعب بين الأصالة والمعاصرة.

يتجاوز المقال الإطار القومي الضيق إلى أفق إنساني رحب، فالشعر العربي عند غلمان ليس تراثاً محلياً فحسب، بل هو طاقة فاعلة في تشكيل الوعي الحضاري للآخرين والتأثير في مخيالهم. هذا البعد الكوني يتجلى في ربط الشعر بقضايا السلام والمصالحة والتسامح، وفي التأكيد على قدرته على حراسة القلق الإنساني المشترك. يستدعي الكاتب صورة العالم المعاصر بحروبه وصراعاته ليؤكد الحاجة الماسة إلى ما يسميه «علوم القلب» التي يجسدها الشعر في مواجهة المادية الصماء.

يفتح مقال الدكتور مصطفى غلمان آفاقاً واسعة للتفكير في مستقبل الشعر العربي ووظيفته الحضارية في عالم متغير. ولعل الإجابة عن السؤال المركزي الذي يطرحه المقال تتطلب مساراً متعدد الأبعاد: فعلى المستوى الإبداعي، يحتاج الشعر العربي إلى تجديد أدواته التعبيرية وموضوعاته دون التفريط في جوهره الجمالي والروحي. وعلى المستوى النقدي، تبرز الحاجة إلى خطاب نقدي يواكب التحولات ويرصدها ويوجهها. وعلى المستوى المؤسسي، لا بد من دعم حركة الترجمة الأدبية وتعزيز حضور الشعر العربي في الفضاءات الرقمية. إن الشعر العربي قادر فعلاً على حراسة قلق العالم، لكن هذه الحراسة تستلزم إعادة تموضعه في خريطة الثقافة المعاصرة، لا بوصفه ذاكرة منقضية، بل بوصفه فعلاً إبداعياً حياً ومتجدداً يستجيب لأسئلة الإنسان الراهنة دون أن يتخلى عن عمقه التاريخي وغناه الروحي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الشعر العربي اليوم ليس في الحفاظ على وجوده فحسب، بل في تحويله إلى قوة فاعلة في الحوار الحضاري العالمي، قوة تسهم في صياغة معنى جديد للإنسانية المشتركة في زمن الشك والقلق والتحولات الجذرية.

*باحثة في النقد والانساق الثقافية واللغوية

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button