
هل علينا أن نقلق مغربيا من ما قامت به عناصر شنقريحة (مجددا) على الحدود المغربية الجزائرية بمنطقة “قصر إيش” بإقليم فكيك المغربي؟
جديا لا..
لأن سبب “المزايدة الجزائرية” كامن في مكان آخر، مؤكد أن الدولة المغربية لا تغفل عنه.
إن السبب كامن أساسا في تصاعد صراع سلطة جزائري – جزائري (قد يتطور بشكل عنيف) في القلب منه تحضر العلاقة مع واشنطن.
الأمر فيه لحظة مفصلية للحسم حول “التوجه الذي على الجزائر أن تختاره” في علاقتها مع “منظومة النظام العالمي الجديد” كما تؤثر في صناعته فعليا قوة الورقة الأمريكية.
مع استحضار أن الأمر يتم ضمن سياق التطورات المتسارعة ضمن محيطنا الإقليمي والجهوي بغرب المتوسط وجنوب أوربا وشمال إفريقيا. حيث المسألة أكبر من مجرد “حسابات النظام الجزائري الهيمنية المتهالكة”، بل هي ترتبط ب “المصالح الحيوية” لقوى كبرى عالمية من داخل منظومة “الحلف الأطلسي” بقيادة واشنطن..
إن التحدي المطروح على النظام الجزائري يتمثل في مسألة الإختيار.. الإختيار بوضوح هل هي مع “دفتر تحملات” منظومة النظام العالمي الجديد أم هي في خصومة معه؟.. بما يترتب على ذلك من مسؤوليات وقرارات ملموسة في الواقع الملموس..
بالتالي هناك تطوريا الآن تدافع وصراع داخل منظومة السلطة بالجزائر بين توجهين:
– توجه يذهب في اتجاه التوافق مع ضرورات واقع النظام العالمي الجديد بشروط واشنطن (التي ضمنها حل ملف الصحراء المغربية وتطبيع العلاقات مع الرباط).
– توجه يزايد بمعارضة هذا التوجه عبر استمرار “النفخة الكذابة” التي لا ترى من مستقبلٍ لوجودها (واستفادتها ماليا ك “مافيا حكم”) سوى بمواصلة التشبث بالمنطق الهيمني إقليميا المتأسس على رهان “كل شئ أو لاشئ”..
لنضع عناوين أدلة لهذا كله..
منذ شهور تتحمل الرئاسة الجزائرية ووزارة الخارجية الجزائرية ضغطا مؤسساتيا على أعلى مستوى من البيت الأبيض والبنتاغون يتأسس على “باكتاج” سياسي (ورقة طريق) يربط بين تبادل المصالح الإقتصادية والأمنية والإستراتيجية بين البلدين وبين إنهاء التوتر بين المغرب والجزائر، الذي في القلب منه إنهاء مشكل الصحراء تأسيسا على قرار مغربية الصحراء ودعم مقترح المغاربة للحكم الذاتي (منطوق القرار الأممي رقم 2797). لأن الأمر بالنسبة لمهندسي المصالح القومية الأمريكية العليا مندرج ضمن منظومة أشمل لإعادة موضعة مصالحها الحيوية بكامل شمال وغرب إفريقيا وغرب المتوسط (المتنافسة بل المتواجهة مع مصالح قوى وازنة أخرى مثل الصين وروسيا).
ترجمة هذا الضغط كامنة في عدد الزيارات التي قام بها مستشار الرئيس ترامب (بولس) إلى الرئاسة الجزائرية خلال الشهور الست الأخيرة. حيث تم تبليغ رسالة بكل الوضوح الواجب لذلك، أن حسابات واشنطن بالمنطقة تعتبر المغرب حليفا وازنا وأن أي تطوير لمستوى العلاقة بين الجزائر وأمريكا لا يمكن أي يتم على حساب مكانة المغرب وقيمته ودوره. وأن الطريق المنتجة للجميع هي مساعدة الجزائر على الخروج من الزاوية الضيقة التي وضعت نفسها فيها منذ خمسين سنة عبر الحل الأمريكي..
هذا توجه بدأ يجد له تجاوبا (بمنطق التفاوض أكيد) داخل فريق من السلطة بالجزائر، متكامل مع أفق تطوير داخلي للقرار التدبيري بقصر المرادية، طموحه فك الطوق عن مكانة الجزائر ضمن محيطها الإفريقي والمتوسطي والعربي والدولي. لعل عنوانه الأبرز منهجية الخروج التواصلية لسفير الجزائر بواشنطن (السيد بوقادوم)، التي كلها متأسسة على رسائل تطمين للبيت الأبيض والرئيس ترامب وفريقه، معطرة بغير قليل من التنازلات والإغراءات الإقتصادية والتجارية والترابية..
كل العلامات اليوم تفيد أن زيارة مستشار الرئيس الأمريكي السيد بولس الأخيرة إلى قصر المرادية كانت “تدقيقية”، متقدمة على مستوى ترجمة الإلتزامات الرسمية الجزائرية ضمن “باكتاج” الحل الأمريكي للملفات العالقة بالمنطقة.. الأمر الذي يقوي ويعزز بالداخل الجزائري مكانة فريق قبول “اندماج الجزائر” ضمن منظومة شروط النظام العالمي الجديد بدفتر تحملاته الواجبة.
هل باقي أطراف السلطة بالجزائر (فريق شنقريحة بالتحديد) منخرطة في هذا التطور؟.
الجواب العملي: لا.
بدليل علامات ورسائل التصعيد المتلاحقة منذ أيام ضد كل ما هو مغربي.. وهي رسائل موجهة إلى البيت الأبيض بالدرجة الأولى وليس إلى المغرب فقط. التي أبرزها ما يلي:
– تسريع بروباغندا استغلال حديد مناجم غار جبيلات (الذي فيه رهان على الصين وتركيا).
– تصفية معتقلين جزائريين في ما وصف أنها عملية للقضاء على مجموعة إرهابية (اللعب على رهان دور الجيش الجزائري في الإنخراط ضمن “الحرب الأمريكية على الإرهاب”)
– اعتراض مواطنين مغاربة من ضمن شبكة التهريب بين الجزائر والمغرب (وهي شبكات قديمة بعضها له قرابة عائلية من الضفتين معا) وتصفية ثلاثة منهم بقرار واعتقال رابع، بكل ما صاحب ذلك من تهويل وبروباغندا إعلامية جزائرية.
– افتعال تدقيق رسم خط الحدود في “قصر إيش”، بكل ما يصاحب ذلك من عنترية مبالغ فيها للإستهلاك الإعلامي داخل الجزائر..
هل تلقت واشنطن رسائل “جماعة شنقريحة” بعد زيارة المستشار الرئاسي الأمريكي بولس لقصر المرادية ولقائه بالرئيس تبون؟
مؤكد أن الإدارة الأمريكية تدرك غايات تلك الرسائل، بدليل ما سجل من ردود أمريكية (تفهمها السلطة الجزائرية جيدا وتخاف منها)، أهمها ليس فقط الكلام السياسي الثقيل الذي قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حول مكانة المغرب كدولة ضمن خيارات واشنطن (على هامش القمة الوزارية الدولية الخاصة ب “المعادن الإستراتيجية”)، بل ما جرى بواحدة من أهم لجان الكونغرس الأمريكي الثلاثاء الماضي (لجنة الشرق الأوسط ومحاربة الإرهاب) التي طرح فيها عموميا أمران على درجة عالية من الخطورة على السلطة الحاكمة بالجزائر:
– الأول هو ما أعلنه مجددا السيناتور الأمريكي (صديق الرئيس ترامب) تيد كروز من أن قانون إعلان جبهة البوليزاريو جماعة إرهابية جاهز. وأن الدولة الجزائرية ستكون بذلك طرفا في رعاية الإرهاب بكل الفاتورة الثقيلة للأمر دوليا.
– الثاني ما طرحته السيناتور الأمريكية جان شاهين من ضرورة تحريك بند من القانون الأمريكي لمحاسبة ومعاقبة الجزائر بسبب صفقاتها المسلحة مع روسيا (التي تدرج عمليا في بعض مستوياتها ضمن خانة العداء للأمن القومي الأمريكي).
مع التذكير على أن هذه المواقف قد أعلنت أصلا ضمن مناقشة لمدى انخراط الجزائر ضمن “المنظومة العالمية لمحاربة الإرهاب” التي تقودها واشنطن وأمام مسؤول أمريكي رفيع هو روبير بالادينو (المسؤول الأول عن مكتب الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية منذ فاتح دجنبر 2025).
بالتالي، كخلاصة كبرى، إن ما تقوم به “جماعة شنقريحة” هذه الأيام من خلال “استفزاز” المغرب والمغاربة، إنما هو مندرج ضمن ردود موجهة أساسا إلى الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض وفريق الرئيس ترامب. يترجم بوضوح تصاعدا للصراع بين توجهين اليوم داخل السلطة الحاكمة بالجزائر. صراع يؤكد أن منطق “المغامرة” الذي تنتهجه “جماعة شنقريحة” (الذي ردت عليه الإدارة الأمريكية بوضوح عبر إحدى أهم لجن الكونغرس) ستكون له تبعاته في القادم من الأيام.
مغربيا علينا الإلتزام بأقصى درجات الهدوء (والحذر الذكي أيضا)، لأن قوة موقفنا آتية من أننا لسنا في خصومة مع منظومة النظام العالمي الجديد. أي أن المشكل ليس في الرباط، بل في “عقل شنقريحة” الذي واضح أنه يزداد غرقا في عزلته ليس خارج الجزائر فقط بل حتى في داخلها..
إن التطورات قادمة، مؤكد أنها ستتم بمنطق الدولة لا بمنطق “العنتريات”..
فنحن مغربيا في الموقع السليم والصحيح والصلب.. منخرطون في أسباب بناء الأمل دون أن نفرط في ما يفرضه واجب مسؤولية الدفاع عن أرضنا وبلدنا وأهلنا..



