كش بريس/ خاص ـ قدّم عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، عرضاً مفصلاً لحجم التحديات التي تواجه تدبير الموارد البشرية داخل الجماعات الترابية، مبرزاً في المقابل ملامح إصلاح شامل يقوم على التخطيط والتكوين والتحفيز والتأطير التشريعي. وأكد أن الوزارة جعلت من الرأسمال البشري «الركيزة الأساسية لتحقيق النجاعة المطلوبة ومواكبة مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، وذلك وفق ما ورد في أجوبته أمام مجلس المستشارين، خلال جلسة يوم الثلاثاء 13 يناير الجاري.
وأوضح لفتيت أن وزارة الداخلية تولي «أهمية قصوى لتنمية كفاءات الموارد البشرية العاملة بالجماعات الترابية، من خلال اعتماد مجموعة من التدابير الطموحة الرامية إلى إرساء منظومة حديثة للتدبير الجيد لمواردها البشرية، بما يسمح بتجاوز أوجه الخصاص والنقص التي تحد من فعاليتها». وشدد على أن المقاربة المعتمدة ترتكز على التخطيط المسبق والتوقع والاستشراف، بدل أساليب التدبير التقليدية التي لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.
وفي هذا الإطار، كشف الوزير عن إحداث «مصلحة مرصد الحركية والمسار المهني بالمديرية العامة للجماعات الترابية»، بهدف تتبع تطور أعداد الموظفين ومساراتهم المهنية. وأفاد بأن المعطيات المتوفرة تشير إلى أنه «من المرتقب، خلال السنوات الخمس المقبلة، تسجيل نحو 28 ألف مغادرة إلى التقاعد من أصل حوالي 78 ألف موظف يشكلون العدد الحالي للعاملين بالجماعات الترابية»، وهو ما يستدعي، بحسبه، اعتماد حكامة جديدة في تدبير الموارد البشرية، تقوم على الاستباق والتعويض الموجه وفق الحاجيات الحقيقية.
وأضاف لفتيت أن الوزارة أنجزت «دراسة لاعتماد منظومة للتدبير التوقعي للأعداد والوظائف والكفاءات، من شأنها تمكين الجماعات الترابية من استقطاب الكفاءات الضرورية، والقطع مع الطابع التقليدي في تدبير الموارد البشرية». وأوضح أن هذه الدراسة تقوم على «بعد تشخيصي يروم الوقوف على واقع الإدارة، من خلال تحليل أعداد الموظفين وتخصصاتهم وأنماط أدائهم، بما يسمح بتقليص الفجوة بين الوضع الحالي والحاجيات المستقبلية من الوظائف والكفاءات».
وأشار الوزير إلى أن المرحلة الأولى من هذه الدراسة شملت «25 جماعة ترابية كنموذج أولي، موزعة على ستة مستويات وفق معايير متعددة، من بينها عدد السكان والطابع الجغرافي»، على أن يتم تعميم خلاصاتها لاحقاً على باقي الجماعات. وكشف أن نتائجها أبرزت أن «ضمان استمرارية المرفق العمومي وجودة الخدمات يقتضي تعويض ما لا يقل عن 15 ألف موظف من مجموع 28 ألفاً المرتقب إحالتهم على التقاعد خلال السنوات الخمس المقبلة»، وذلك عبر توظيفات موجهة نحو التخصصات الأكثر خصاصاً، وفي مقدمتها «المالية المحلية، والهندسة المدنية، والإعلاميات، ومهن حفظ الصحة، وغيرها من التخصصات ذات الأولوية».
وفي ما يتعلق بالتوظيف والتكوين، أكد لفتيت أن وزارة الداخلية تواكب الجماعات الترابية «بصفة يومية في تنظيم مباريات التوظيف لاستقطاب الكفاءات التي هي في أمسّ الحاجة إليها»، مبرزاً أن هذه المباريات مكنت، خلال السنوات الخمس الأخيرة، من «توظيف حوالي 2500 إطار وموظف جديد بالجماعات الترابية».
كما أوضح أن الوزارة تكفلت، خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 و2025، بتكوين «2069 تقنياً متخصصاً عبر مسالك التكوين الأساسي بالمعاهد التابعة لها لتكوين التقنيين والتقنيين المتخصصين»، وهو ما أتاح «تعزيز الجماعات الترابية بهذه الكفاءات عبر التوظيف عقب استكمال مسار التكوين».
وأضاف أن الرؤية المستقبلية للفترة 2026-2030 تستهدف تكوين «نحو 10 آلاف تقني متخصص في مجالات متعددة، من بينها المالية المحلية، وأشغال الجماعات الترابية، والهندسة المدنية، والمساحات الخضراء والتنمية المستدامة، وحفظ الصحة، والإعلاميات»، وهو ما سيمكن من تغطية «حوالي ثلثي حاجيات تعويض المغادرين المرتقبين خلال السنوات الخمس المقبلة»، على أن يتم استكمال الخصاص المتبقي عبر مباريات توظيف في تخصصات نادرة، كالمهندسين والأطباء وتقنيي الصحة.
وعلى مستوى التكوين المستمر، أبرز وزير الداخلية أن الوزارة نظمت، خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 وأكتوبر 2025، «ما يقارب 2450 دورة تكوينية ولقاءات تحسيسية، استفاد منها أكثر من 60 ألف موظف بالجماعات الترابية»، أي ما مجموعه «136 ألفاً و500 يوم تكويني»، شملت مجالات الحكامة الترابية، وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ومواضيع أخرى مرتبطة باختصاصات الجماعات الترابية، وهو ما يعكس، حسب قوله، إرادة حقيقية للرفع من مردودية الموظف الترابي وربطها بجودة الخدمات المقدمة للمواطن.
وفي محور لا يقل أهمية، كشف لفتيت عن تقدم ورش إعداد النظام الأساسي لموظفات وموظفي الجماعات الترابية، مؤكداً أنه «تنفيذاً لمقتضيات القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، وحرصاً على تثمين مواردها البشرية، تم إعداد مشروع النظام الأساسي في إطار مقاربة تشاركية مع الفرقاء الاجتماعيين». وأوضح أن ذلك جاء عقب «سلسلة من الاجتماعات التي خُصصت لمناقشة الملف المطلبي، وأسفرت عن إعداد مسودة مشروع قانون بمثابة النظام الأساسي، إلى جانب صيغة أولية لمجموعة من مشاريع المراسيم والنصوص التطبيقية المرتبطة به».
وأضاف أن المشروع اعتمد «مبدأ المماثلة في الصياغة، بما يضمن تمتع موظفات وموظفي الجماعات الترابية بنفس الحقوق والواجبات والضمانات المقررة لموظفي الدولة، وفق النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ونصوصه التطبيقية، مع مراعاة خصوصية إدارات الجماعات الترابية». وأشار إلى أن المشروع يوجد حالياً «قيد مسطرة التشريع على مستوى الأمانة العامة للحكومة»، بالتوازي مع إعداد النصوص التنظيمية والتطبيقية، في إطار «حوار اجتماعي يقوم على الثقة المتبادلة واعتماد المقاربة التشاركية كخيار استراتيجي لتحسين الوضعية الاجتماعية وتثمين الرأسمال البشري للجماعات الترابية».
وفي الشق الاجتماعي، توقف وزير الداخلية عند إحداث «مؤسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي الجماعات الترابية ومجموعاتها وهيئاتها»، بموجب الظهير الشريف بتنفيذ القانون رقم 37.18، موضحاً أنها تقدم باقة من الخدمات لفائدة المنخرطين وذويهم. ومن بين هذه الخدمات، «تخصيص 300 منحة دراسية سنوية بقيمة 1000 درهم شهرياً ولمدة خمس سنوات، لفائدة أبناء موظفات وموظفي الجماعات الترابية المتفوقين في امتحان البكالوريا»، و«تمكين 1000 طفل، تتراوح أعمارهم بين 9 و13 سنة، من الاستفادة من المخيمات الصيفية»، إضافة إلى «تمكين 2000 منخرط ومنخرطة من استرجاع جزء من تكاليف الاصطياف العائلي، المحددة في 3500 درهم لكل أسرة». كما أشار إلى إبرام اتفاقيات مع مؤسسات عمومية وخاصة في مجالات «التطبيب والعلاج والدواء والتأمين والحج، ومتابعة التعليم العالي للأبناء، والتخييم والإقامات السياحية»، فضلاً عن اتفاقيات بنكية تتيح «الاستفادة من القروض الاستهلاكية والخدمات البنكية بشروط تفضيلية».
وختم لفتيت هذا المحور بالتأكيد على أن «مصالح وزارة الداخلية لن تدخر أي جهد في سبيل تثمين الموارد البشرية العاملة بالجماعات الترابية، بما يضمن تحسين جودة الخدمات العمومية». كما شدد، في تعقيبه على مداخلات المستشارين، على أن «الشغيلة الموظفة بالجماعات الترابية تشكل العمود الفقري للعمل الجماعي، وبدونها لا يمكن المضي قدماً، ولهذا تحرص وزارة الداخلية على إيلاء أهمية قصوى لظروف عمل هذه الفئة».
وفي الوقت ذاته، أقر الوزير بوجود إكراهات حقيقية مرتبطة بنقص الكفاءات، خاصة على مستوى الجماعات النائية، قائلاً إن «حجم الطلب يفوق العرض، ولا نجد دائماً الموظفين الذين نطمح إليهم، خصوصاً في صفوف المهندسين والتقنيين»، وهو ما يفرض، حسب تعبيره، التفكير في تحفيزات وحلول جديدة، «لأن الاستمرار على هذا الوضع لم يعد ممكناً».





