‏آخر المستجداتلحظة تفكير

محمد أمين سملالي: في الحاجة إلى خطاب عمومي مسؤول

حكومة الكفاءات… وبلاغة “Reste là-bas”

أثار مقطع متداول لتصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، خلال لقاء مع رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا بالمغرب، جدلاً واسعاً بين المغاربة، خاصة في صفوف الجالية المقيمة بالخارج.
فبين من رأى في كلامه مجرد دعوة صريحة للنخب المغربية إلى العمل والإبداع بدل الاكتفاء بالتشخيص، وبين من اعتبره خطاباً مستفزاً يمس كرامة مغاربة العالم، انقسمت الآراء وتباينت القراءات.

غير أن النقاش، في جوهره، لا ينبغي أن ينحصر فقط في سؤال:
هل أساء الوزير أم لم يُسئ؟
بل في سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب العمومي الذي يوجَّه إلى المغاربة، داخل الوطن وخارجه.
لأن الكلمات في السياسة لا تُقاس فقط بنية قائلها، بل بأثرها، وبالرسائل التي تُفهم منها، خصوصاً حين تنتقل من قاعة مغلقة إلى فضاء رقمي مفتوح يقتطع ويعيد التركيب.

في زمن تتنافس فيه الدول على استقطاب العقول كما تتنافس على الاستثمارات، يبدو أننا نجرّب أحياناً مقاربة عكسية:
نختبر أعصاب الكفاءات أولاً، ثم نسألها لاحقاً إن كانت ترغب في العودة.
من هنا جاءت رمزية العبارة التي التقطها كثيرون من المقطع المتداول، والتي لخصها بعضهم في جملة واحدة:
“Reste là-bas.”
عبارة قصيرة وخفيفة في مخارجها، لكنها ثقيلة في دلالتها، لأنها تُسمع — حتى إن لم تُقصد — كأنها تقول:

“لا تأتِ لتمنّ علينا”.

قد يكون الوزير أراد التأكيد على فكرة بسيطة:
أن الوطن ليس مكاناً يُمنح فيه الامتياز لمن يعود إليه، بل هو بيت طبيعي لكل أبنائه.

وقد يكون قصده أيضاً دفع النخب المغربية، في الداخل والخارج، إلى تجاوز مرحلة التشخيص نحو اقتراح حلول عملية وإشعال “روح المبادرة” بدل الاكتفاء بوصف الأعطاب.
لكن المشكلة في مثل هذه الحالات لا تكمن دائماً في الفكرة نفسها، بل في اللغة التي تُعبَّر بها، وفي نبرة الخطاب عندما تختلط بالسخرية أو التهكم.

فمغاربة العالم ليسوا مجرد فئة اجتماعية تعيش خارج الحدود، ولا مجرد مصدر لتحويلات مالية تعزز الاقتصاد الوطني.
إنهم جزء أصيل من المجتمع المغربي، وحضورهم يمتد عبر أجيال متعاقبة حافظت على ارتباطها بالوطن رغم المسافة والاختلافات الثقافية. وقد لعبوا، ولا يزالون، دوراً محورياً في الدفاع عن صورة المغرب في الخارج، وفي تعزيز حضوره الاقتصادي والثقافي والرياضي.
لذلك تصبح طريقة مخاطبتهم مسألة حساسة، لأن الخطاب العمومي حين يصدر عن مسؤول حكومي لا يُقرأ فقط بمعناه الحرفي، بل بما يحمله من رمزية سياسية وأخلاقية.

ثم إن المفارقة لا تتوقف عند حدود “الكرامة” وحدها، بل تتصل مباشرة بالتشغيل والكفاءات.
فحين يقول وزير في حكومة تصف نفسها بـ“حكومة الكفاءات” إن لديه “ملايين من الكفاءات تنتظر لتشتغل”، فذلك يفترض — نظرياً — أن يكون مصدر فخر.
لكن إعادة قراءة الجملة بهدوء تفتح دلالة أخرى:

ملايين… تنتظر… أن تشتغل.

في العادة، الحكومات تحتفل بعدد فرص الشغل التي خلقتها.
أما حين يصبح عدد المنتظرين هو الرقم الأكبر في الخطاب، فهذه ليست وفرة صحية، بل اختناق صامت.
والجملة التي قد توحي بـ“لسنا في حاجة لأحد”، تقول من حيث لا تدري: “نحن غير قادرين على استيعاب من عندنا أصلاً”.

هنا يصبح السؤال مؤسسياً لا انفعالياً:
كيف نرفع شعار “حكومة الكفاءات” بينما تتراكم مؤشرات بطالة الشباب وحاملي الشهادات؟
وكيف نملك “ملايين” كفاءة ولا نملك ملايين فرصة؟
المشكلة ليست في وجود الكفاءات، بل في البيئة التي لا تعرف كيف توظفها، ولا تمنحها شروط المبادرة والتجريب والثقة.

وتزداد المفارقة إيلاماً حين نضعها في مرآة العلاقة مع مغاربة العالم.
حين ترتفع تحويلاتهم إلى مستويات قياسية يصبح الخطاب احتفائياً: دعامة أساسية، سند اقتصادي، رافعة استقرار.
لكن حين يتحول الحديث إلى الأشخاص والكفاءات نفسها، تتغير النبرة أحياناً. فنرحب بالعملة الصعبة بحرارة، ونستقبل صاحبها ببرودة. وكأن المطلوب هو الحساب البنكي… لا العقل الذي صنعه.

في عالم يتصارع على العقول، لا تبنى الجاذبية بسياسة الاستغناء، بل بسياسة الإقناع.
كندا تفتح برامج انتقائية لاستقطاب الكفاءات،
وألمانيا تبسط المساطر لجذب المهندسين، ودول أخرى تقدم حوافز مهنية وبيئات أكثر مرونة.
وفي هذا السوق العالمي التنافسي، الإشارة الخاطئة لا تُغضب فقط…
بل قد تقنع صاحبها أن يبقى فعلاً هناك.

قد يقول قائل إن كل ما حدث مجرد سوء فهم، وأن الوطن ليس “كادو”، وأن العبارة لا تستحق كل هذا الجدل.
صحيح: الكفاءات لا تحتاج تصفيقاً ولا تنتظر شكراً.
لكنها تقرأ الإشارات. وفي السياسة، التفاصيل الصغيرة تكشف الفلسفة الكبرى.
وحين تتحول لغة استقطاب الكفاءات إلى لغة اختبار ولاء أو إلى تهكم عابر، فذلك لا يكون مجرد سوء تعبير… بل ارتباك في التصور.

لهذا، فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن النوايا أو إدانة العبارات، بل بناء ثقافة تواصل عمومي تقوم على الوضوح والاحترام والحساسية تجاه مختلف مكونات المجتمع المغربي.
لأن كرامة المغاربة واحدة لا تتجزأ، داخل الوطن وخارجه، ولأن قوة المغرب تكمن أيضاً في قدرته على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.

وفي زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ربما يكون ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو خطاب عمومي مسؤول: يقرّب ولا يباعد، يجمع ولا يفرّق، ويُشعر كل مغربي — أينما كان — بأن مكانه الطبيعي في هذا الوطن محفوظ ومحترم.
وإلا سيظل السؤال قائماً:
إذا كانت الهجرة مستمرة، والبطالة مرتفعة، والعالم يغري العقول…
فهل هذا هو الخطاب الذي يجذب الكفاءات؟
أم أنه، من حيث لا يدري، يهمس لها:

Reste là-bas.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button