
في دستور 2011 لم يكن التنصيص على الخيار الديمقراطي كثابت من ثوابت الأمة مجرد إعلان نوايا، بل كان تعاقدًا سياديًا جديدًا بين الدولة والمجتمع، قوامه توسيع مجال المشاركة، وإعادة الاعتبار للفاعل المواطن، والانتقال من منطق التدبير العمودي إلى أفق ديمقراطي يقوم على التعدد والتشاركية وتقاسم المسؤولية. ومن هذا المنطلق، جاء إقرار الديمقراطية التشاركية باعتبارها امتدادًا عضويًا للديمقراطية التمثيلية، لا بديلاً عنها ولا ترفًا مؤسساتيًا، بل آلية لتصحيح الاختلالات البنيوية التي راكمها احتكار السياسة داخل قنوات حزبية ومؤسساتية ضيقة.
غير أن التجربة العملية أبانت، مع مرور الزمن، أن الإشكال لم يكن يومًا في النص الدستوري، بل في منطق تأويله وتنزيله. فالدولة، تاريخيًا، لا تتخلى عن المجتمع المدني، لكنها تعيد تعريف موقعه ووظيفته وحدود فعله. ومن هنا، انتقلنا تدريجيًا من منطق تمكين قوى المجتمع كفاعل مستقل وناقد، إلى منطق تأثيث المجال المدني بهيئات وجمعيات تقوم بوظائف التعبئة والوساطة الاجتماعية، في إطار ضبط ناعم يهدف إلى احتواء التعدد وتقليص كلفة المعارضة النقدية، لا إلى توسيع دائرة المشاركة الحرة والمسؤولة.
هذا التحول لا يظهر في صيغ فجّة أو قرارات معلنة، بل يتسلل عبر آليات قانونية وتنظيمية تبدو في ظاهرها تقنية ومحايدة، بينما تحمل في عمقها رهانات سياسية ودستورية كبرى. وهو ما يجعل النقاش حول العملية التشريعية الجارية المرتبطة بالمهن القانونية وشبه القضائية نقاشًا يتجاوز حدود المهنة، ليطال صميم السؤال السيادي المتعلق بالأمن القانوني والأمن القضائي. فالمسألة ليست مسألة تحديث أو ملاءمة أو حكامة مهنية، بل تتعلق بطبيعة العلاقة التي تريد الدولة تكريسها مع الهيئات الوسيطة التي تشكل أحد أعمدة التوازن المؤسسي.
إن الخطر الكامن اليوم لا يتمثل في التنظيم الذاتي للمهن، باعتباره تعبيرًا عن النضج المؤسساتي والاستقلال المسؤول، وإنما في الانزلاق نحو تكريس الضبط الذاتي، حيث يُنقل عبء الضبط إلى الهيئات نفسها، مع الاحتفاظ للدولة بسلطات التوجيه والتدخل والتأديب عند الاقتضاء. في هذا النموذج، تتحول الاستقلالية من قيمة دستورية إلى وظيفة إجرائية، وتُفرغ المهن من بعدها النقدي والحقوقي، لتُعاد هندستها كآليات استقرار بدل كونها فضاءات مساءلة وتوازن.
ومهنة المحاماة، بحكم تاريخها ووظيفتها وموقعها في هندسة العدالة، لا يمكن اختزالها في قطاع مهني قابل لإعادة التأميم الناعم أو الإدماج الوظيفي. فهي ليست مجرد فاعل تقني في مسلسل التقاضي، بل مؤسسة سيادية تساهم في إنتاج الشرعية القضائية، وتؤدي دورًا محوريًا في ضمان الحق في الدفاع، وفي ترسيخ الثقة في العدالة، وفي حماية مبدأ فصل السلط. وأي مساس باستقلالها، ولو تحت ذريعة الإصلاح أو النجاعة أو الأمن، هو في العمق مساس غير مباشر بأسس الدولة القانونية نفسها.
إن ما يثير القلق اليوم هو أن هذه التحولات تجري في سياق عام يتسم بتراجع النقاش العمومي الحقيقي، وبهيمنة خطاب الاستقرار على حساب خطاب الحقوق، وبنزوع متزايد إلى اختزال العدالة في بعدها الإجرائي، وفصلها عن أفق الاعتراف والإنصاف وضمانات عدم التكرار. وهو ما يهدد بإجهاض المفهوم الجديد للعدالة قبل أن يكتمل، وتحويلها إلى مجرد أداة تدبيرية منزوعة البعد القيمي والدستوري.
من هنا، فإن مساءلة ما يجري ليست دفاعًا فئويًا عن امتيازات مهنية، ولا رفضًا مبدئيًا لأي إصلاح، بل هي دعوة صريحة لإعادة فتح نقاش وطني حول حدود الضبط المشروع، ومعنى الاستقلال المؤسسي، ومكانة الفاعلين الوسيطين في دولة تدّعي جعل الخيار الديمقراطي ثابتًا لا رجعة فيه. فالدولة القوية ليست تلك التي تُخضع كل شيء لمنطق التحكم، بل تلك التي تثق في مجتمعها، وتحتمل النقد، وتبني أمنها القانوني والقضائي على التوازن لا على الاحتواء.
إن الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل قبول ضمني بتحول صامت يمس جوهر العقد الدستوري. لذلك، فإن نفض الغبار عن هذه المسارات غير المرئية، وفتح نقاش مسؤول حولها، يظل شرطًا أساسيًا لتحصين السيادة الدستورية، وحماية الأمن القانوني، وصون ما تبقى من أفق ديمقراطي تشاركي وعد به دستور 2011 ولم يُستكمل بعد.





