
كش بريس/التحرير ـ في خطوة تعكس استمرار الجدل حول حكامة قطاع الصحة، عادت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى إطلاق طلب عروض جديد لإنجاز دراسة ميدانية موسعة تروم إعداد خريطة دقيقة لمخاطر الفساد داخل المنظومة الصحية بالمغرب، وذلك بعد إلغاء صفقة سابقة كانت قد أثارت نقاشاً واسعاً بسبب شبهة تضارب المصالح.
وخصصت الهيئة لهذه الدراسة ميزانية تقديرية تبلغ 2,944,800 درهم، أي ما يقارب 294 مليون سنتيم، بهدف إنجاز تشخيص شامل لبؤر الفساد المحتملة في القطاع الصحي واقتراح آليات عملية للوقاية منها والحد من آثارها. كما حددت يوم 7 أبريل 2026 موعداً لفتح الأظرفة بمقر الهيئة في الرباط، في إطار مسطرة جديدة تسعى إلى تجاوز الإشكالات التي رافقت الصفقة الأولى.
وجاء قرار إعادة إطلاق الصفقة بعد إلغاء المسطرة السابقة التي كانت قد فاز بها مكتب دراسات تربطه علاقة تعاقدية بإحدى المجموعات الصحية الخاصة، إذ يتولى المكتب نفسه مهمة مراقبة حسابات تلك المجموعة، وهي من الفاعلين الأساسيين داخل القطاع الصحي الذي يفترض أن تشمل الدراسة تحليل مخاطره. وقد أثار هذا الوضع تساؤلات حول احتمال وجود تضارب في المصالح، بالنظر إلى أن الجهة المكلفة بإعداد الدراسة كانت ستقوم بتقييم مخاطر الفساد في مجال يرتبط مباشرة بأحد شركائها المهنيين.
ومع تصاعد النقاش الإعلامي والمهني حول هذه المعطيات، قررت الهيئة إلغاء الصفقة الأولى التي بلغت قيمتها نحو 250 مليون سنتيم، وإعادة إطلاقها وفق شروط جديدة. كما جاء رأي استشاري صادر عن اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية ليعزز هذا القرار، بعدما كشف عن وجود خلل مسطري جوهري شاب مرحلة إعداد وثائق طلب العروض، ما يجعل المسطرة برمتها قابلة للإلغاء وإعادة الإطلاق.
وأوضح الرأي الاستشاري أن هذا العيب الإجرائي كافٍ لإبطال الصفقة دون الحاجة إلى الحسم في مسألة تضارب المصالح التي أثارت الجدل، وهو ما يعني أن الأساس القانوني للإلغاء استند إلى خلل في إجراءات إعداد طلب العروض، رغم أن النقاش العمومي ركز أساساً على الإشكال المرتبط بالعلاقة المهنية بين مكتب الدراسات والقطاع موضوع الدراسة.
وتندرج هذه الدراسة ضمن جهود الهيئة لتعزيز المعرفة الموضوعية بظاهرة الفساد في المغرب، واستكمالاً للأبحاث الوطنية التي أنجزتها خلال السنوات الماضية. ففي سنة 2022 أعدت الهيئة بحثاً وطنياً حول الفساد شمل قياس إدراك المواطنين للظاهرة وتجاربهم معها، بالاعتماد على عينة تضم 5000 مواطن مقيم بالمغرب و1000 من المغاربة المقيمين بالخارج ممن زاروا المملكة خلال صيف تلك السنة.
وأظهرت نتائج هذا البحث أن جودة الخدمات الصحية والرعاية الطبية تشكل أحد أبرز انشغالات المغاربة، إذ وضعها 56 في المائة من المقيمين بالمغرب و53 في المائة من المقيمين بالخارج ضمن أولوياتهم الثلاث الأساسية، فيما اعتبرها 20 في المائة الانشغال الأول في حياتهم اليومية. كما بينت النتائج أن قطاع الصحة يتصدر القطاعات التي يُعتقد أنها الأكثر تأثراً بالفساد، حيث يرى 68 في المائة من المغاربة المقيمين أن الفساد فيه منتشر أو منتشر جداً، وترتفع هذه النسبة إلى 76 في المائة لدى المغاربة المقيمين بالخارج و75 في المائة لدى المقاولات.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن 17 في المائة من المواطنين الذين تعاملوا مع القطاع الصحي العمومي صرحوا بأنهم دفعوا رشوة أو طُلب منهم ذلك خلال تعاملاتهم مع الخدمات الصحية، فيما يبلغ معدل حدوث الرشوة المرتبط بالخدمات الصحية حوالي 10 في المائة مقارنة بقطاعات أخرى.
كما كشف تحليل سلوك المواطنين تجاه طلبات الرشوة أن القبول بالدفع يظل السلوك الأكثر انتشاراً بنسبة 57 في المائة، مقابل 25 في المائة من المواطنين الذين رفضوا الدفع واستمروا في إجراءاتهم، في حين لم تتجاوز نسبة الذين تقدموا بشكايات رسمية للتبليغ عن هذه الممارسات 3 في المائة فقط.
وستسعى الدراسة الجديدة إلى تعميق فهم هذه الظاهرة عبر تحليل أشكال الفساد وتواترها وأسبابها وتأثيرها على جودة الخدمات الصحية وعلى مبادئ الشفافية والإنصاف في الولوج إلى العلاج. كما ستعتمد على تحليل شامل للسياق المؤسساتي والتنظيمي للقطاع الصحي، إلى جانب مراجعة الأدبيات الدولية وإجراء مقارنة مع تجارب ست دول تمثل مستويات مختلفة من التنمية الاقتصادية.
ومن المرتقب أن تركز الدراسة على ثلاثة محاور رئيسية داخل المنظومة الصحية، تشمل مسار تقديم الخدمات الصحية داخل المؤسسات العلاجية، وسلسلة إنتاج وتوزيع المنتجات الصحية وخاصة الأدوية، إضافة إلى قطاع الرعاية الصحية الخاص بما يضمه من مصحات وعيادات.
ويرتقب أن تسهم نتائج هذه الدراسة في بلورة خرائط دقيقة لمخاطر الفساد داخل القطاع الصحي واقتراح خيارات استراتيجية لتعزيز آليات الوقاية والمكافحة، بما يدعم مسار إصلاح المنظومة الصحية ويعزز ثقة المواطنين في خدماتها.





