أحمد الشهاوي: حين يصير تحريم الفرح ديناً

قد يسألك سلفيٌّ أو إخوانيٌّ أو داعشيٌّ أو طالبانيٌّ أو وهابيٌّ أو واحدٌ من عشرات التنظيمات والجماعات التي تصف نفسها بالإسلامية : هل الرسول محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بإقامة الموالد ( ومنها مولده ) ، والاحتفاء بأقطاب التصوف وأوليائه ؟ .

وعلى الرغم من أن السائل قد يعرف أن التصوف قد ظهر متأخرًا وتجلَّى مُشرِقًا بعد دولة الرسول ، ويمكن الرد عليه بألف سؤالٍ من عيِّنة : وهل الرسول قد أمرنا بأن نركب الطائرة أو السيارة أو القطار ، أو نستخدم الإنترنت ، أو نأكل كذا ، ونشرب كذا ، ونتعلم كذا .

هذا السؤال الاستنكاري الذي يهدف إلى إجابةٍ ما مُحدَّدة ومعروفة سلفًا في ذهن السائل ألا وهي ( إن هذه الموالد رجسٌ من عمل الشيطان ، وليست من الدين في شيءٍ ، والإسلام منها براء ، ومن يقيمها أو يحتفل بها خارج من الملة ، وعقيدته فاسدة ) ، وهي عادة ما تكون إجابةً نمطيةً ومُستهلكة من فرط استخدامها ضد كل من يخالف توجهات جماعة ما أو طائفة أو مذهب ، وهذا – للأسف – ما تقول به بعض المذاهب الفرعية غير المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي ، ولكن يعتقد بها بعض الناس في الصحراء العربية ، وما شابهها في باكستان وأفغانستان ، وربما في بعض الجيوب الصغيرة الأخرى ، رغم أن الدين ليس طائفةً ولا مذهبًا ، لأنه أيسر و أسهل من تعقيدات أصحاب الأيديولوجيات الدينية ، التي ترى الإمام أو المرشد فوق النبيِّ نفسه ، إذْ هو مُطاعٌ ، وكلمته مسمُوعة ونافذة ، ولا تنزل الأرض كما يقول أهل مصر.

ولذا رأينا هدم أضرحة ومقابر الأولياء ومقاماتهم وزواياهم ، وحرق رُفاتهم وتذرية رمادها ، والتنكيل بمن يمارسون طقوس زيارة هذه المقامات أو من يحتفلون بالموالد الدينية ، وهي طقسٌ مُبهج موجود في كل الديانات ، وليس فيها ما يضر بأحد ، أو بصحيح الدين ، حيث تُتلى الأدعية وآيات القرآن ، والاستغفارات والأوراد والأذكار ، وقد اطلعتُ على كل أوراد الطرق الصوفية في مصر – وهي كثيرة – ولم أر فيها شططًا أو شطحا أو انحرافا أو خروجا على السنن .

ولذلك لم يكن هناك داع لأن يحجب أدعياء الدين نور الموالد ، لأن التاريخ القريب والبعيد يقول لنا إنه كلما حجبتَ بهجةً ، ظهر مكانها دمٌ وسيفٌ ورقبةٌ مجزُوزةٌ ، وفتوى بالتكفير .

وليس هناك أيسر من أن نقول إن الموالد ليست ضد الدين والأخلاق ، وليست موجهة ضد أحد ، هي مع القلب الشفيف الصافي النقي غير الآثم ، الذي لم يرتكب الفواحش والمجازر ، و لم يسرق ، أو يقتل .

فهل الذي يمنع الموالد ، ويُهدِّد من يُقيمها ، ينصر الدين بفعله هذا؟ وهو – أساسًا – من يذبح ويحرق ويغتال ويتوعَّد ، وهو – في حقيقة الأمر – يتظاهر بأنه يحمي الدين (الذي لا يحتاج إلى حماية من أحدٍ ، لأنه ببساطة هناك رب يحميه ) ، ويتظاهر بكونه مؤمنًا تقيًّا مُساندًا مُؤازرًا ، وفعله منافٍ ومعاكس لادعائه الفضيلة .

Exit mobile version