أحمد الشيخاوي: العم عبد السلام المتيوي.. فنان التِّرحال مانحُ نغمة العود معنى فوق مستوى الحياة

في حقيقة الأمر، لأول مرة أجدني مضطرا لتأجيل موضوع كنت قد بدأت الكتابة عنه، كمادة لعمود الأربعاء الذي أعدّه لصالح موقع كش بريس، لا لشيء سوى لأني التقيت عن طريق الصدف، في إحدى المقاهي التي أفضل ارتيادها، بالعدوة ميسور، فنانا مغربيا أصيلا متجولا، أدهشني ــ صراحة ــ بتمكنه من العزف على آلة العود الخاص به، وبعد أن استأذنته في أن آخذ من وقته القليل، للنبش في سيرته الحياتية والفنية، استجاب بصدر رحب، ولم يتردد ولو برهة واحدة، كونه من الطينة التي تقدّر الفن، وتعشقه حد النخاع، بل تتنفّسه، وتجعله فوق معاني الحياة، بحدّ ذاتها.

العم عبد السلام المتيوي، وهذا هو اسمه الكامل، رجل يربو على السبعين عاما، هذا المنحدر من مدينة تاونات، لم تفرّق إكراهات الحياة، بينه وبين عوده، على الإطلاق، وقد خاض العديد من التجارب.

كما أنه أدّى الخدمة العسكرية سابقا، وهو الآن يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة بالتمام، على حدّ قوله، وعلى الرغم من تقدّمه في العمر، لم يزل فتي الروح، ليّك العرينة، تصبغ ملامحه الدماثة وتواضع المبدعين الكبار، ونباهة من يجود بهم الرحم الشعبي. 

حتى أنه الّف ولحّن وغنّى، ببصمته، في وقت سالف.

غالبا ما يوجد من يزدري قوافل المرتزقين بالفن، غير أني أمام هذه الظاهرة، بالتحديد، أحاول أن أقلّب الأمور على كافّة أوجهها المتعددة، كي لا أصدر أحكاما مجانية جزافية، جائرة في الأخير، ولكل ظروفه، على أية حال.

لقد استوقفتني موسوعيته وإحاطته بجملة من الأنماط الغنائية، طويلا، فهو ماهر جدا، يجيد المحاكاة، حتى لا أقول التقليد، محيط حذق بالكلثوميات والمتن الشرقي عموما، والأمداح والأغاني الطربية والشعبية والمجموعاتية، إلخ…

فكل ما أهّله لذلك، شغفه المفرط، بل جنون الارتباط بآلة موسيقية اسمها العود.

حميميته بها، منذ نعومة أظافره، تماما كما أخبرني هو بذلك، وحين بادرته بالسؤال حول موانع تأسيس فرقة، وما إلى ذلك من الالتزامات، رد بحرقة مشوبة بالهدوء الذي لا يمكن إلا أن يترجمه الاختمار ومراكمة الكثير والكثير من التجارب المطبوعة بتجاذبات الذات وتقاذفها، ما بين الآلام والأحلام.

عرفت منه أنه البار الذي ضحى بمستقبله الفني إرضاء لوالدته التي كانت في زمن سحيق استحلفته بالله ألا يذهب في طريق تأسيس مجموعة غنائية، أبدا، بعد أن فشل في التجريب لأسباب سأتحفظ أنا على ذكرها بالتفصيل، على سبيل الأمانة، وتساوقا مع ما يمليه علي الضمير المهني، وإن كان هو بأم لسانه، أفشى لي بعضها، أي تلك الأسباب.

من يومها، دخل في تجربة فردية صرفة، يجوب تراب الوطن، طولا وعرضا، من غربه إلى شرقه، ومن شماله إلى جنوبه، رفيقه في الحل والترحال، هو هذا العود السحري الذي بات مضغة منه.

بالطبع للرجل أسرة، ما ينفك يلوذ بكنفها، يعود كي يتفقد أحوالها، من حين لآخر.

المدهش في هذا الرجل، هو أنه استطاع الإبقاء على صورة الجيل المغربي الخمسيني، في حدود الرمزية والقداسة، حية، كما لو أنها من دم ولحم، لم يغير فيه زمن الموضة والأضواء الذي ابتلعت دوامتهما، كثيرين.

إنه ما يفتأ يبهرك بالكاريزما التي يتمتع بها، رغم لبوس البساطة العميقة التي هي ملح التسامر وإياه، إذا أضفت إلى ذلك، نزعته الشعبية، وثقافته الغنائية الواسعة، خلصت إلى ما يبعث على الجاذبية والانبهار.

طالعني بجلبابه الأحمر الرث المغربي الأصيل، وطربوشه الهامس بحيثيات تاريخ النخوة والعراقة، ومن عاداته، أن يترك لمستضيفه فرصة المبادرة بطلب الأغنية التي يريد، فهو على وعي تام، بأن فرض الذوق على الآخرين منقصة، ومن أبشع ما ليس يليق بمنزلة فنان مخضرم، بقلب شاب يغذيه الولع بتوجع الأوتار، وتواتر الإيقاعات، وتقمص شخصيات وأصوات سدنة الفن والغناء والطرب، الأصيل منه، والعصري، القديم والحديث، الغث والسمين.

أما عني أنا الذي لم يكن لي سابق معرفة به، وأن كل ما جمعني به، تلكم الصدفة واللحظة الهاربة التي تفتّقت عن مضامين المواقف الإنسانية، قبل أن تكون فنية، فقد ارتأيت أن أختبره في أسلوب شعبي تعتّقه وتقطر من أوردته، سيرة عميد الأغنية الحمراء، نسبة إلى المدينة الجميلة مراكش،  الرائع حميد الزاهر.

المفاجأة أنه أطربني حد الثمالة بأغنية” آش داك تمشي للزين؟”؛ وعبر هذا الفيديو القصير، الذي اجتزأت من غيض فيضه، كما يقال، وهو كثير من قطوف لحظة عابرة جمعتني بالعم عبد السلام.

 سأترككم تلجون عوالم هذه الشخصية الفنية الفذة، التي تترجم نواميس جيل بأكمله، حتى لا أقول أدع لكم الحكم عليه، لأن الأحقّ والأجدر والأعدل، هو أن أمثاله، على ندرة صلصالهم، أكيد، هم من يجب أن يحكموا على الزمان والأجيال.

رابط الفيديو: https://youtube.com/shorts/kS_RFPf07iI?feature=share

↑
Exit mobile version