أحمد الشيخاوي: المسنّة حسيبة في مرآة  مغرب السّرعتين

في الآونة الأخيرة، تداول الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مشاهد متعدّدة الزوايا للسيدة العجوز المسماة حسيبة، ما أثار الكثير من اللغط والجدل حول هذه القضية، وتوقيت طفوها على السطح، قبيل انطلاق الحملة الانتخابية في بلادنا، بأيام قليلة، بالضبط.

المؤكد أنه في جميع الظروف، تعتبر هذه الظاهرة والتي من الممكن أن تقاس عليها الكثير من الحالات الإنسانية الأخرى والمتواترة هنا وهناك، في غفلة من أن يُحاط بحيثياتها، ونثار فصولها، بحكم الضريبة الجغرافية التي قد يدفعها، البعض، إما بشكل مباشر، أو غيره، جراء التهميش وعدم الالتفات إلى جيوب وأقاصي مغربنا العميق.

المهم أنه حان الوقت، لتفعيل البرامج التنموية التي تم تسطيرها، ولم تزل مجرد حبر على ورق، بما يضمن حقوق العدالة المجالية والاجتماعية، ويراعي معيشة هؤلاء المنتشرين في الأدغال، ومقاربة واقعهم بإنصاف ووفق معايير سياسة لا مركزية، تضعهم في ميزان بكفتي الحق والواجب، بمنأى عن أي تقصير أو اقتراف للأغلاط المكلفة.

مع أنه وبشهادة البعض، ممن يجاورون في السكن هذه العجوز، وحسب ما أدلوا به، من كونها اختارت هذه العزلة، بمحض إرادتها، وآثرت هذا النمط من العيش، الذي لم يفرض عليها، وكيف أنهم كلما حاولوا انتشالها من أسلوب حياة متجذر في كل ما يمكن أن تعكسه كلاسيكيات الوجود، لدى الكائنات التي تحكم وعيها ثقافة القناعة والتصالح مع الأبجديات البدائية، كما لو أنها قادمة من بطن الأزمنة الغابرة والسحيقة، وكيف أن عالمها، في مسار الوصول إليه واقتحامه يقاس بالأعوام، لا المسافات.

على الرغم من أن لديها عائلة، غير أنها اقتنعت حد النخاع بهذا الانتماء الذي تسكنُ روحها إلى أبعاده، ويبقيها بعيدة وحيدة في كهف موحش، مترع بالأطياف ومعاني العصور القديمة، يزيد من رهبته، عواء الريح وأهازيج الجان.

مما لا شك فيه، أن هذه الحالة الإنسانية، على شذوذها، تفجّر الكثير من الأسئلة، وتضع جيلا كاملا في قفص الاتهام.

ء إلى هذا الحد، تمكنت الفردانية منا اليوم، ودُقَّ آخر المسامير في نعش الضمير الجمعي..؟

أين الروابط الأسرية والاجتماعية من نظير هذه الظواهر؟

 بل الأهم من ذلك، أين دور الدولة في العناية بكبار السن ومواكبة تجاربهم بالرعاية الكاملة والحس الوطني المسؤول..؟

لكن في مقابل ذلك، ألا يعتبر هذا انزاياحا، من قبل هذه السيدة العجوز، أي أنها بكامل إرادتها اختارت هذا المصير، المزدان بعزلة مهيبة، وقفا على المرتّب في عقليتها من قناعات ومبادئ، قد تدين الآخرين باعتبارهم جحيما، على حد تعبير الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، بمن فيهم ذوي القربى…؟

في دوامة هذه الأسئلة المزعجة والأكثر إحراجا، كونها، تحفر عميقا في صلب المعادلات الإنسانية الكبرى، وتحاول أن تحيل على ما يجعل من آفاق الرّهان على مركزية الإنسان، راهنا حتميا لا يقبل التأجيل، ولا المزايدات أو المساومات.

في خضم هذا، لا أستطيع أن أفوّت فرصة استحضار، سيرة العجوز اليابانية التي لم يطلها مخطط لمحاربة الأمية، في مشروع موسّع سخّرت له، سائر الإمكانات البشرية والمالية واللوجستية، من لدن هذه الدولة الآسيوية التي نحن مطالبون بالاقتداء بها في الكثير من المجالات، وبالتالي حرمت، من الاستفادة من هذه الحملة، تلك العجوز التي تقطن في منطقة جبلية نائية ومعزولة، الشيء الذي دفع بمدير المشروع إلى تقديم استقالته، بعد أن أحسّ بالتقصير وعدم تأدية الواجب الوطني بشكل كامل.

سواء أكانت هذه القصة حقيقية، أم على سبيل الدعابة والتنكيت، فقط، إلا أنها تظل ذات مغزى، بالنسبة لأمم، تهمها مركزية الإنسان، وتعتبر الرأسمال البشري أولوية في البناء والتكوين.

لا أدل على ذلك من الدرس الذي تلقّنته الصين، بعد أن استوعبت أن الخيانة لا بد وأن تنبت كالفطر والأورام السرطانية، كلما تم الانشغال عن بناء الانسان، بالجدران والحصون التي يفترض أن تحول دون تمكّن الاستعمار والغزو الخارجي.

وقتها انشغلت الصين القديمة، بتشييد سورها العظيم، خوفا من خطر العدو الخارجي، من غير أن يخطر على بالها، بالمطلق، أن الخائن سيولد من بني جلدتها، ومن الداخل الذي لم تكلّف نفسها عبء أخذ الحيطة والحذر من انفلاتاته.

فحدث ما دفع بالصين إلى الاهتمام بالرأسمال البشري، كي تحقق ما وصلت إليه اليوم، كقوة عالمية عظمى مستشرية النفوذ.

هذا ولعل الأجدى في زاوية وجع كوني من هذا الطراز، هو أنه بعد أن أصبحت الظاهرة قضية رأي عام، سارعت السلطة المحلية، إلى عين المكان، في رد فعل إيجابي وفوري، إلى عين المكان، من أجل إلحاق المسنة بإحدى دور الرعاية، وهذا إن ترجم فسياسة عدم التساهل مع الحالات النادرة، التي قد تشوّه واجهة الوطن عالميا، وتخدش مراياه الصقيلة.

Exit mobile version