أزمة سبتة تتفاقم.. انهيار الطوق الأمني الإسباني يعيد سيناريو 2021 ويكشف تصاعد الضغوط الهجرية

كش بريس/ من (جليل الورديغي ، من سبتة المحتلة) ـ

لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حوادث متفرقة تعالجها الأجهزة الأمنية على جانبي الحدود، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى أزمة ميدانية متسارعة تكشف هشاشة منظومات الاستقبال والاحتواء، وتضع السلطات الإسبانية أمام ضغوط متزايدة، بالتزامن مع تصاعد وتيرة محاولات العبور عبر البحر واستمرار الإجراءات الأمنية المغربية الرامية إلى الحد من هذه التدفقات. ويعكس المشهد الراهن انتقال الأزمة من نطاق أمني محدود إلى تحدٍّ متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية واللوجستية والسياسية، في ظل مخاوف متنامية من اتساع رقعة الأزمة واستحضار سيناريوهات عرفتها المنطقة قبل سنوات.

وتشير المعطيات الواردة من وسائل إعلام إسبانية إلى أن اليوم الثالث من موجة العبور الجماعي شهد تطورا لافتا، بعدما تمكن مئات المهاجرين من الإفلات من الطوق الأمني داخل معبر تراخال الحدودي عقب إخضاعهم لإجراءات المراقبة الأولية، قبل أن يتفرقوا داخل أحياء المدينة، الأمر الذي دفع قوات الحرس المدني والشرطة الوطنية إلى إطلاق عمليات تمشيط واسعة لإعادة تعقبهم.

وتعكس هذه الواقعة، بحسب مراقبين، انتقال الأزمة من مجرد تدفقات بشرية عبر البحر إلى تحديات أمنية ولوجستية داخل المدينة نفسها، بعدما أصبحت الأجهزة الإسبانية مطالبة في الوقت ذاته بعمليات الإنقاذ البحري، وضبط الحدود، وتأمين الفضاء الحضري، وإدارة مراكز الإيواء التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من الضغط.

ووصفت صحيفة “إل فارو دي سبتة” الليلة الماضية بأنها الأعنف منذ بداية الأزمة، في ظل استمرار محاولات العبور سباحة دون انقطاع، حيث ظلت وحدات الحرس المدني والإنقاذ البحري الإسباني، بمشاركة البحرية الملكية المغربية، تنفذ عمليات متواصلة لانتشال المهاجرين واعتراضهم، بينما زادت الأحوال الجوية، وخاصة الضباب الكثيف، من تعقيد عمليات الرصد والتدخل.

ولم تقتصر محاولات الوصول إلى سبتة على نقطة حدودية واحدة، إذ امتدت إلى عدد من السواحل المحيطة بالمدينة، ما سمح لبعض المهاجرين بالوصول إلى اليابسة والاختفاء بين الأحياء السكنية أو التوجه مباشرة إلى المؤسسات الأمنية ومراكز استقبال المهاجرين، في مشهد يعكس صعوبة إحكام السيطرة على جميع منافذ العبور البحرية.

ويأتي هذا التصعيد بعد تحذيرات رسمية أطلقتها حكومة سبتة، التي أقرت بأن المدينة تواجه ضغوطا تفوق قدراتها الاستيعابية، سواء على مستوى مراكز الإيواء أو الموارد البشرية والأمنية. كما دعت مدريد إلى التدخل العاجل لتوفير دعم إضافي، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يعيد إنتاج أزمة ماي 2021 بكل تداعياتها الأمنية والسياسية.

وتعزز هذه المخاوف الأرقام المتداولة في الإعلام الإسباني، والتي تشير إلى اعتراض وإنقاذ أكثر من 1500 مهاجر خلال يوم واحد، إلى جانب تسجيل وفيات جديدة في عرض البحر، وهو ما يبرز أن الأزمة لم تعد تقتصر على بعدها الأمني، بل أصبحت تحمل أبعادا إنسانية متفاقمة، في ظل المخاطر الكبيرة التي تواجه المرشحين للهجرة أثناء محاولات العبور.

في المقابل، تواصل السلطات المغربية تنفيذ خطة أمنية واسعة على طول الساحل المقابل لسبتة، خاصة بمدينة الفنيدق ومحيطها، حيث عززت انتشار مختلف الأجهزة الأمنية، وأغلقت عددا من المقاطع الساحلية الحساسة، وأحبطت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، في إطار استراتيجية تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين نحو الثغر المحتل، رغم استمرار محاولات بعض الأشخاص الوصول إلى البحر والانطلاق سباحة.

وتعيد هذه التطورات إلى واجهة النقاش واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تستحضر أزمة ماي 2021 التي شهدت وصول ما بين ثمانية آلاف واثني عشر ألف مهاجر إلى سبتة في ظرف يومين فقط، وهو الحدث الذي دفع الحكومة الإسبانية آنذاك إلى نشر وحدات من الجيش وتعزيز انتشار قوات الأمن، كما عجل بزيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى المدينة، في خضم أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد.

ويبدو أن المشهد الحالي، وإن اختلف في بعض تفاصيله عن أحداث 2021، يكشف استمرار الهجرة غير النظامية باعتبارها تحديا إقليميا معقدا يتجاوز المقاربة الأمنية الصرفة، ويرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وإنسانية ومناخية متداخلة، ما يجعل احتواء الظاهرة رهينا بتعزيز التعاون الثنائي والإقليمي، إلى جانب معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر أملا في الوصول إلى الضفة الأوروبية.

Exit mobile version