كش بريس/التحرير ـ يشهد المشروع الفكري والنقدي للكاتب والناقد عبد الفتاح لحجمري تراكمًا نوعيًا جعل من تجربته إحدى العلامات البارزة في الكتابة النقدية المغربية المعاصرة، سواء من حيث اشتغاله على اللغة، أو من حيث انحيازه إلى مساءلة التفاصيل الهامشية التي غالبًا ما يعبرها الوعي الجمعي دون انتباه. وفي هذا السياق، أصدرت دار أبي رقراق مؤلفه الجديد حياة تمشي على رؤوس أصابعها: أساطير صغيرة من مسافة نصف خطوة، وهو عمل يواصل من خلاله الكاتب تفكيك العلاقة الملتبسة بين الإنسان ويومياته، بين المعنى وما يتوارى خلف اعتياد النظر.
يحضر كتاب “حياة تمشي على رؤوس أصابعها” كتمرين تأملي يقترب من اليومي بوصفه فضاءً كثيفًا بالإشارات والرموز، حيث تغدو الحركة العابرة، والانتظار القصير، والصمت المفاجئ، والضوء المرتبك على الجدران، عناصر قادرة على إنتاج أسئلتها الخاصة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالتفاصيل التي تبدو هامشية في ظاهرها تتحول، داخل هذا الأفق، إلى مادة فلسفية تستدعي إعادة النظر في علاقتنا بالعالم وفي الطريقة التي نستهلك بها الحياة دون وعي عميق بإيقاعها الخفي.
النص المضمّن في ظهر الغلاف يفتح أفقًا واسعًا للتساؤل حول قدرة الإنسان على قراءة العلامات الدقيقة التي تتركها الحياة في مساراتها اليومية. وهي أسئلة تستعيد، بشكل ضمني، ذلك القلق الفكري الذي اشتغل عليه فالتر بنيامين في تأملاته حول التجربة الحديثة، حين تصبح الأشياء المألوفة فاقدة لدهشتها بفعل التكرار، كما تتقاطع مع انتقادات غي ديبور لعالم تحوّل فيه الإنسان إلى مستهلك للصور والإيقاعات السريعة، فاقدًا القدرة على الإصغاء إلى هشاشة وجوده.
ما يمنح هذا العمل فرادته أن صاحبه لا يتعامل مع اليومي باعتباره مادة وصفية أو سجلًا للوقائع العابرة، وإنما باعتباره بنية رمزية تعيد تشكيل الإنسان بصمت. لذلك تتحول الأسئلة الواردة في الكتاب إلى مساءلة مزدوجة: مساءلة للعادة التي تصنع وعينا دون أن نشعر، ومساءلة للغة نفسها وقدرتها على التقاط ما يتسرب من المعنى خارج الجمل الجاهزة والتفسيرات المغلقة.
ويبدو لحجمري، عبر هذا المسار التأملي، قريبًا من ذلك التصور الذي صاغه مارتن هايدغر حين ربط التفكير الحقيقي بالقدرة على الإنصات لما يخفيه الوجود داخل أكثر الأشياء بساطة. فالحياة، وفق هذا المنظور، ليست مجموع الأحداث الكبرى، وإنما ذلك النسيج الدقيق من العلامات الصغيرة التي تصوغ علاقتنا بالزمن والآخرين والذاكرة.
إن حياة تمشي على رؤوس أصابعها: أساطير صغيرة من مسافة نصف خطوة يضع القارئ أمام اختبار تأملي نادر، حيث يغدو اليومي مرآة لأسئلة الكينونة، وتصبح التفاصيل التي نتجاوزها كل يوم أثرًا فلسفيًا يكشف مقدار ما فقده الإنسان المعاصر من قدرة على التحديق في العالم ببطء، وعلى إعادة اكتشاف المعنى وسط ضجيج العبور السريع.

اختلالات في أداء المؤسسات العمومية تعيد ملف آجال الأداء للواجهة
هشاشة الصحافيين وحرية الإعلام في قلب مواقف العصبة الحقوقية
ساعة بـ40 ألف يورو واتصالات مع “ميسي الحشيش” تفجّر فضيحة بإسبانيا