‏آخر المستجداتلحظة تفكير

أمل الجبوري *: من أبي البركات البغدادي إلى فوكو… هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟

لم أقضِ أكثر من أربعة عقود في عالم الشعر والثقافة والبحث الأكاديمي من أجل أن أراكم الكتب أو المشاركات في المؤتمرات، بل لأفهم سؤالاً ظل يلاحقني منذ بداياتي الأولى: لماذا تتراجع الحضارات أخلاقياً قبل أن تتراجع معرفياً؟

رافقتني هذه الحيرة في بغداد، ثم عبرت معي إلى المنافي. كنت أظن أن الانتقال من مجتمع عاش الاستبداد والحروب إلى مجتمعات ديمقراطية سيقدم إجابات شافية، لكنني اكتشفت أن الأسئلة تكبر كلما اتسعت الجغرافيا، وأن الانتقال من الشرق إلى الغرب لا يعني بالضرورة الانتقال من أزمة إلى يقين، بل من شكل من أشكال السلطة إلى شكل آخر أكثر نعومة وتعقيداً.

في العراق، كنت أرى الحرية حلماً مؤجلاً. وفي المنفى، رأيت الحرية نفسها وهي تدخل أسواق العرض والطلب.

وبين التجربتين بقي سؤال واحد يؤرقني:

هل أزمة الثقافة هي أزمة معرفة، أم أزمة ضمير؟

حين كانت الحرية غائبة، كتب كثير من أبناء جيلي، جيل الثمانينيات، تحت ظلال الخوف. وربما لذلك بقيت أستعيد مقولة أحد كبار الأدباء العالميين بأن الأدب الحقيقي يولد في زمن النكبات، لأن الإنسان لا يكتشف أعماقه إلا عندما تضيق به الحياة. لم تكن القصيدة آنذاك طريقاً إلى الشهرة أو المنصب، بل محاولة لإنقاذ الروح من الانكسار، وشهادة على زمن كان الكلام فيه فعلاً من أفعال الاحتجاج.

والعراق، عبر تاريخه الطويل، يقدم مثالاً صارخاً على العلاقة المعقدة بين السياسة والثقافة. فمنذ حضارات وادي الرافدين، مروراً بالعصر العباسي، وصولاً إلى الأزمنة الحديثة، عرف هذا البلد دورات متعاقبة من الازدهار والانحدار. كانت المعرفة تزدهر حين تتسع مساحة العقل، ثم تنكمش حين ينتصر الخوف. ولم يكن الإبداع منفصلاً عن المناخ الأخلاقي للمجتمع؛ فحين تضعف الأخلاق العامة، لا تتراجع السياسة وحدها، بل يتراجع الشعر والفكر والفن أيضاً.

ولعل أبا البركات البغدادي، أحد أكثر فلاسفة الحضارة الإسلامية أصالة، أدرك هذه الحقيقة قبل قرون. فقد رفض أن يكون العقل تابعاً للتقليد، ورأى أن المعرفة ليست ميراثاً يُسلَّم من السابق إلى اللاحق، بل تجربة نقدية حية، تبدأ بالسؤال ولا تنتهي عند سلطة أي مذهب أو فيلسوف. ولذلك بقي فكره عصياً على التصنيف، لأنه اختار استقلال العقل على راحة الاتباع. وربما لهذا يبدو أبو البركات أكثر معاصرة اليوم من كثير من مثقفينا الذين يخشون مراجعة أفكارهم إذا اقتربوا من دوائر النفوذ.

لكن ما حيّرني أكثر لم يكن غياب الحرية، بل سلوك بعض المثقفين تجاهها.

لماذا يتحول المثقف إلى أكثر المدافعين عن الحرية حين يكون خارج السلطة، ثم يصبح أكثر الصامتين عندما يقترب منها؟

أليس المبدأ هو المبدأ، سواء كان صاحبه معارضاً أم مسؤولاً؟

لقد تابعت، كما تابع غيري، التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، ولم يكن أكثر ما آلمني تبدل الأنظمة السياسية، بل تبدل الخطاب الثقافي نفسه. وجدت بعض من كانوا يملؤون الدنيا حديثاً عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان يكتشفون فضيلة الصمت عندما أصبحت مصالحهم مرتبطة بالمؤسسة، أو الحزب، أو المنصب، أو التمويل.

وهنا أتذكر عبد الرحمن الكواكبي، الذي لم يحصر الاستبداد في الحاكم وحده، بل رآه مناخاً يتسرب إلى النفوس، فيفسد الأخلاق قبل أن يفسد السياسة. فالاستبداد لا يصنع الخوف فقط، بل يصنع أيضاً التزلف والانتهازية والاعتياد على الصمت. ولذلك فإن سقوط النظام المستبد لا يعني بالضرورة سقوط ثقافة الاستبداد، لأنها قد تبقى كامنة في سلوك المثقف نفسه، فتجعله يعيد إنتاجها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة.

وهنا أدركت أن المشكلة ليست في المعرفة وحدها، بل في العلاقة الأخلاقية مع المعرفة.

فالمثقف لا يفقد قيمته حين يخطئ، وإنما يفقدها حين يصبح ضميره قابلاً للتفاوض.

وربما لهذا بدت لي تأملات حنة آرندت شديدة الأهمية حين تحدثت عن “تفاهة الشر”. فالشر، في كثير من الأحيان، لا يرتكبه الوحوش، بل أناس عاديون توقفوا عن مساءلة أنفسهم، واكتفوا بأداء الدور الذي تفرضه عليهم المؤسسة أو السلطة أو الجماعة. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المثقف ليس أن يخطئ، بل أن يفقد قدرته على مساءلة ضميره.

وثمة سؤال آخر لا يقل إلحاحاً:

متى تتحول الثقافة من رسالة إلى وسيلة للارتزاق الرمزي؟

ليس في الدفاع عن حق الكاتب في العيش الكريم ما يثير الاعتراض. فالكتابة عمل، والكاتب إنسان له احتياجاته اليومية. لكن الفارق كبير بين أن يعيش الكاتب من إنتاجه، وأن يصبح إنتاجه خاضعاً بالكامل لمنطق السوق.

في المنفى، رأيت وجهاً آخر لهذه الأزمة.

رأيت كيف أصبحت المشاركة في كثير من الفعاليات، والنشر، والظهور الإعلامي، والقراءات الأدبية، تخضع أحياناً لقوانين التسويق أكثر مما تخضع لقيمة النص نفسه. لم يعد السؤال: ماذا كتبت؟ بل: كم تستطيع أن تدفع؟ أو كم تمتلك من شبكة علاقات قادرة على تسويق اسمك؟

وهكذا دخل الأدب في منافسة لا تشبه طبيعته.

فالقصيدة لا تُقاس بخوارزميات الانتشار، والرواية لا تُقاس بعدد الإعلانات الممولة، والبحث العلمي لا ينبغي أن يخضع لمنطق الأرباح والخسائر.

ويزداد هذا القلق حين ننظر إلى الجامعات.

لقد كان يُنظر إلى الجامعة، عبر قرون، بوصفها بيتاً للحقيقة، ومختبراً للأسئلة الكبرى، ومساحة مستقلة لإنتاج المعرفة. أما اليوم، فقد أصبحت كثير من الجامعات، في الشرق والغرب معاً، أسيرة مؤشرات الأداء، والتصنيفات، والتمويل، والمشروعات قصيرة الأمد.

أصبحت العلوم الإنسانية نفسها مطالبة بأن تثبت جدواها الاقتصادية، وكأن قيمة الفلسفة تقاس بالعائد المالي، أو قيمة الشعر بعدد المستثمرين فيه.

وقد وصف ميشيل فوكو جانباً من هذه الإشكالية حين بين أن المعرفة والسلطة ليستا عالمين منفصلين، بل إن كل سلطة تنتج خطابها المعرفي، كما أن كل معرفة تصبح، بدرجة ما، أداة من أدوات القوة. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز حتى ما وصفه فوكو؛ إذ لم تعد السلطة السياسية وحدها هي التي تنتج المعرفة، بل أصبحت السوق نفسها سلطة معرفية تحدد ما يستحق النشر، وما يستحق التمويل، وما ينبغي أن يبقى في الظل.

إن ما يسمى اليوم بـ”اقتصاد الإبداع” يحمل في داخله مفارقة مؤلمة؛ فهو يرفع شعار دعم الثقافة، لكنه كثيراً ما يعاملها بوصفها سلعة قابلة للتسويق والاستهلاك. وحين تتحول المعرفة إلى منتج، يتحول الباحث إلى موظف، والجامعة إلى شركة، والمثقف إلى علامة تجارية.

وهنا لا تموت الثقافة فجأة، بل تفقد رسالتها بالتدريج.

ولا يقتصر الأمر على الجامعات.

حتى معارض الكتب، التي كانت مواسم للاحتفاء بالفكر، أخذت تتحول في بعض الأحيان إلى مهرجانات استهلاكية تختلط فيها الكتب بالعروض التجارية والفعاليات الترفيهية، حتى يغدو الكاتب ضيفاً ثانوياً في مناسبة يفترض أنها قامت من أجله.

ولست أرفض الموسيقى أو الفنون أو الأنشطة المصاحبة؛ فهي جزء أصيل من الحياة الثقافية. لكن السؤال هو: هل بقي الكتاب في مركز المشهد، أم أصبح مجرد ذريعة لمهرجان يبحث عن الرعاة وعدسات الكاميرات؟

وقد كان أنطونيو غرامشي يتحدث عن “المثقف العضوي” بوصفه ذلك الذي ينتمي إلى قضايا مجتمعه، لا إلى امتيازات السلطة. أما اليوم، فإن السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة: هل بقي المثقف عضوياً للمجتمع، أم أصبح عضوياً للمؤسسة، أو للحزب، أو للجهة المانحة، أو حتى لخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي؟

إن تبدلت الجهة الراعية، فلا ينبغي أن تتبدل الوظيفة الأخلاقية للمثقف.

لذلك لم أعد أعتقد أن أزمة الثقافة العربية هي أزمة معرفة فقط.

فنحن لا نفتقر إلى الجامعات، ولا إلى الباحثين، ولا إلى الشعراء، ولا إلى دور النشر، ولا إلى المنصات الرقمية.

ما نفتقر إليه، قبل ذلك كله، هو الشجاعة الأخلاقية.

فالمعرفة تستطيع أن تُنتجها المؤسسات، أما الضمير فلا تنتجه إلا التربية الطويلة على الحرية، والاستقلال، والنزاهة، والقدرة على قول “لا” عندما يصبح الصمت أكثر ربحاً من الكلام.

لقد علمتني سنوات المنفى أن الاستبداد ليس دائماً سياسياً، كما أن الحرية ليست دائماً أخلاقية. قد يعيش الإنسان في أكثر البلدان ديمقراطية، لكنه يبقى أسيراً للسوق، أو للممول، أو للشهرة، أو للخوف من خسارة الامتيازات.

وهذه، في تقديري، صورة أخرى من صور الاستبداد.

إن الثقافة لا تفقد رسالتها حين تختلف الآراء، بل حين يصبح الموقف الأخلاقي قابلاً للبيع والشراء، وحين يتحول الصمت إلى عملة، والكلمة إلى استثمار، والضمير إلى بند في عقد.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام كل واحد منا، قبل أن نوجهه إلى الآخرين:

هل ما نكتبه هو ما نؤمن به حقاً، أم ما يسمح لنا بالبقاء داخل الدائرة؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، ليس مستقبل الثقافة العربية وحدها، بل مستقبل الثقافة الإنسانية كلها؛ لأنها ستكشف إن كانت أزمتنا، في جوهرها، أزمة معرفة ام ازمة ضمير

*أديبة وشاعرة عراقية

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button