‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د جمال ايت لعضام*: من الاستهلاك إلى الإنتاج..

ـ كيف نجحت الصين في توظيف الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة العلمية؟ ـ


لم تعد مسألة التفوق العلمي والأكاديمي في القرن الحادي والعشرين مرتبطة بوفرة الموارد الطبيعية أو الكثافة السكانية، بل أصبحت تعتمد على قدرة الدول على استثمار المعرفة كقوة إنتاجية، في هذا الإطار، تمثل الصين نموذجًا ملهمًا في كيفية تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقنية متطورة إلى دعامة حضارية وتكنولوجية أسهمت في تسريع التقدم العلمي وتقليص ما يمكن تسميته بـ” فجوة التخلف المعرفي”، لفهم هذا التحول العميق، من المهم تحليل الاستراتيجية الصينية التي تجاوزت الاستخدام التقليدي للتكنولوجيا، لتضع أساسًا متكاملاً يعزز الإنتاج العلمي ويرتقي به.
أحد أبرز العناصر اللافتة للنظر في التجربة الصينية هو أن الذكاء الاصطناعي لم يُعامل كقطاع منفصل، بل تم دمجه في إطار نموذج وطني شامل يهدف إلى إعادة هيكلة الدولة والمجتمع، فقد تم تضمينه في مجالات التعليم العام، والصناعة، والبحث العلمي، والإدارة، ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تجعل من المعرفة الرقمية ركيزة أساسية لتعزيز القوة الوطنية، يبرز هذا النهج وعياً سياسياً عميقاً بأن سد الفجوة العلمية والرقمية لا يتم عبر الاستيراد فقط، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة من الداخل.
في صميم هذا النموذج، يأتي التعليم كركيزة محورية فقد تحولت بكين من تبني نموذج تعليمي تقليدي يعتمد على التلقين إلى نموذج ديناميكي يقوم على التعلم الذكي المخصص، وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان تحليل أداء كل طالب بشكل فردي وتكييف المحتوى التعليمي وفقاً لقدراته ومتطلباته، لم يؤدِّ هذا التغيير إلى تحسين جودة التعليم فحسب، بل أسهم أيضاً في إعادة صياغة العلاقة بين الطالب والمعرفة؛ حيث لم يعد المتعلم مجرد متلقٍ سلبي، بل أصبح مشاركاً أساسياً ومؤثراً في مسيرة تعلمه.
الأمر الأكثر أهمية أن الصين تمكنت من توظيف الذكاء الاصطناعي كنموذج استراتيجي لتعزيز العدالة التعليمية، عوضاً عن تعميق الفجوة القائمة بين المدن المتطورة والمناطق الريفية، استُثمرت التكنولوجيا في تقليص هذه الفجوة عبر توفير منصات تعليمية رقمية موحدة تتيح فرصاً متكافئة للوصول إلى الموارد التعليمية لكافة الطلاب بغض النظر عن خلفياتهم الجغرافية، يبرز هذا التوجه الاجتماعي لتوظيف الذكاء الاصطناعي بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود المنطق الاقتصادي المتمثل في تحقيق الربح، إلى هدف أشمل يتمثل في بناء رأس مال بشري مثقف ومتكافئ. 
على صعيد البحث العلمي، شهدت الجامعات الصينية تطوراً نوعياً في نظم إنتاج المعرفة وأدواتها، لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على دوره كمجرد وسيلة تعليمية مساعدة، بل أصبح شريكاً فاعلاً في الأنشطة البحثية والأكاديمية، إذ يُسهم في تحليل البيانات، وتطوير الفرضيات الرياضية، وتصميم التجارب العلمية والتقنية، هذا الاندماج المتناغم بين القدرات البشرية والذكاء الاصطناعي أسفر عن تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية واختصار الزمن اللازم لإنجاز الأبحاث الأكاديمية، ويعكس هذا الإنجاز بوضوح القفزة النوعية التي حققتها الصين، سواء من حيث عدد الأبحاث العلمية المنشورة أو براءات الاختراع المسجلة على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية خلال السنوات الأخيرة.
العنصر الجوهري في التجربة الصينية يتمثل في الربط الرقمي بين التعليم والاقتصاد، فالجامعات هناك لا تعمل بمعزل عن القطاعات الأخرى، بل تنخرط في شراكة ديناميكية مع القطاع الصناعي، الذي يقدم بيانات حقيقية وتحديات تطبيقية معقدة تكون بمثابة وقود للبحث العلمي والتطوير التقني، هذا النموذج، المعروف بمشروع الذكاء الاصطناعي الذي يدمج الدولة والجامعة والصناعة في منظومة واحدة، يمهد الطريق لتحويل المعرفة إلى منتجات اقتصادية مربحة، ويحول دون تحول البحث العلمي إلى مجرد نشاط أكاديمي نظري بعيد عن الواقع العملي.
في المقابل، عندما ننظر إلى العديد من المجتمعات العربية والإفريقية، تظهر مفارقة واضحة، فعلى الرغم من توافر نفس الأدوات التكنولوجية، فإن استخدامها غالباً ما يقتصر على المجالات الترفيهية والخدمات الاستهلاكية والتسويقية، هذه الظاهرة لا تعكس نقصاً في الموارد المادية أو التكنولوجية بقدر ما تسلط الضوء على غياب رؤية استراتيجية واضحة وطبيعة الأنظمة التعليمية والأكاديمية التي تعتمد في أغلب الأحيان على الحفظ والتلقين بدلاً من التحليل والابتكار.
وعليه، التحدي الأساسي لا يكمن في عدم وجود تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل في غياب نموذج مجتمعي فاعل لتطبيقها، فالتكنولوجيا بطبيعتها حيادية؛ يمكنها أن تكون أداة للتحرر المعرفي والابتكار، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للجمود وتعزيز التبعية إذا أسيء استخدامها، الفارق في هذه المعادلة يعتمد على طبيعة السياسات التعليمية ومدى قدرة المؤسسات على دمج التكنولوجيا في مسار إنتاج المعرفة وتحفيز الابتكار.

ويمكن القول، أن تجارب دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان تعزز هذا الطرح بوضوح، فرغم تباين نماذجها وأنظمتها، فإنها تشترك في التركيز على التعليم كمحور أساسي لأي تطور تكنولوجي، مع ربطه الوثيق بالاقتصاد الوطني، وقد استثمرت هذه الدول بشكل مكثف في تطوير الموارد البشرية وتهيئة بيئة رقمية متقدمة تتيح تسخير الذكاء الاصطناعي بطريقة فعالة لتحقيق أهداف تعليمية شاملة تُعزز من قدرتها التنافسية أمام دول إقليمية أخرى.
وفي هذا الإطار، يمكن التأكيد أن معالجة الفجوة العلمية لا تتم بمجرد استيراد التكنولوجيا، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين التعليم والرقمنة والمعرفة والإنتاج، هذا يتطلب إجراء إصلاحات جذرية في المنظومة التعليمية تستند إلى تعزيز التفكير النقدي، دعم البحث العلمي، وربط الجامعات باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
ختاماً، تقدم التجربة الصينية درساً بالغ الأهمية; الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو خيار استراتيجي يجمع بين السياسة والحضارة، يمكن استخدامه لإنتاج المعرفة والإبداع أو اختزاله في الترفيه الاستهلاكي السطحي، وفي ضوء هذا الخيار، يتحدد مصير الدول في صياغة مستقبلها وتحقيق تعليم علمي ينسجم مع جوهر الذكاء الاصطناعي.

*دكتور في العلاقات الدولية و القانون الدولي بجامعة جلين ، تشانتونغ الصينية 
مركز العلاقات الدولية و الشؤون الخارجية .

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button