
كش بريس/التحرير ـ
في سياق تنامي الاهتمام العلمي بقضايا التربية الخاصة والصحة النفسية، أصدر الباحث المغربي المتخصص في علم النفس الاجتماعي والتربية الخاصة، الدكتور نوح رابي، الطبعة الجديدة لسنة 2026 من مؤلفه المرجعي “التحليل السلوكي التطبيقي (ABA) واضطراب طيف التوحد”، الذي قدم له الباحث والأكاديمي الدكتور مصطفى السعيليتي، في عمل علمي يسعى إلى مواكبة أحدث التطورات النظرية والتطبيقية في مجال تشخيص وتأهيل الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.
ويمثل هذا الإصدار محطة جديدة في المسار البحثي للدكتور نوح رابي، الذي راكم تجربة علمية وميدانية واسعة في مجال علم النفس والتربية الخاصة، حيث لا يكتفي الكتاب بتقديم عرض أكاديمي للمقاربات العلاجية، بل يؤسس لرؤية متكاملة تربط بين المعرفة العلمية الحديثة ومتطلبات الممارسة اليومية داخل المؤسسات التربوية والأسرية، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي والعربي.
ويقدم المؤلف قراءة شاملة لأبرز النماذج العلاجية والتربوية المعتمدة دولياً في التعامل مع اضطراب طيف التوحد، وفي مقدمتها التحليل السلوكي التطبيقي (ABA)، الذي يعد من أكثر البرامج استناداً إلى الأدلة العلمية في تطوير مهارات التواصل والتعلم والسلوك التكيفي. كما يتناول الكتاب بالتحليل مقاربات أخرى أثبتت نجاعتها، من قبيل برنامج TEACCH، ونظام PECS للتواصل عبر تبادل الصور، إضافة إلى مقاربة Son-Rise، مع إبراز فلسفة كل نموذج، ومجالات تطبيقه، وحدوده، وإمكانات توظيفه داخل البيئة العربية.
ولا يقف المؤلف عند حدود استعراض هذه المناهج، بل يطرح سؤال التكييف الثقافي للمقاربات العلاجية العالمية، مؤكداً أن نجاح أي برنامج تأهيلي يظل رهيناً بقدرته على الانسجام مع البيئة الاجتماعية والنفسية التي يعيش فيها الطفل، وهو ما يجعل الأسرة، وليس المؤسسة وحدها، طرفاً محورياً في مسار التدخل والتأهيل.
ومن بين الإضافات النوعية التي تميز هذه الطبعة الجديدة، تخصيص مساحة واسعة لدراسة البعد النفسي للأسرة، مع التركيز على المكانة المحورية للأم باعتبارها الفاعل الأول في مرافقة الطفل داخل الحياة اليومية. ويناقش الكتاب الضغوط النفسية والانفعالية التي تواجهها الأسر، وآليات بناء التوازن النفسي، باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح البرامج العلاجية والتربوية.
كما يخصص المؤلف فصلاً مستقلاً لموضوع المرونة النفسية، بوصفها أحد المفاهيم المركزية في العلاجات السلوكية الحديثة من الجيل الثالث، مبرزاً دورها في تعزيز قدرة الأسر والأطر التربوية على التكيف مع التحديات اليومية، وتطوير استراتيجيات أكثر فعالية في مواكبة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، بعيداً عن المقاربات التقليدية التي تركز على تعديل السلوك بمعزل عن الأبعاد النفسية والوجدانية.
ويتميز الكتاب بمنهجيته التطبيقية، إذ يزود المختصين، من أخصائيين نفسيين وأطر تربوية ومؤطري مراكز التربية الدامجة، بمجموعة من الأدوات والإجراءات العملية التي يمكن اعتمادها في عمليات التشخيص، والتدخل، والتقويم، وبناء البرامج الفردية، كما يقدم للأسر دليلاً مبسطاً يساعدها على فهم طبيعة الاضطراب، والتعامل مع تحدياته اليومية وفق أسس علمية حديثة.
ويأتي هذا العمل في ظل الحاجة المتزايدة إلى مراجع عربية تجمع بين الصرامة الأكاديمية والخبرة الميدانية، خاصة مع اتساع الاهتمام بقضايا الإدماج المدرسي، وتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وتطوير برامج التربية الدامجة. ومن هذا المنطلق، يشكل الكتاب إضافة معرفية نوعية إلى المكتبة العربية، لأنه لا يكتفي بنقل النظريات العالمية، بل يعيد قراءتها في ضوء الواقع المغربي والعربي، بما يسهم في إنتاج معرفة علمية أكثر ارتباطاً بالسياق المحلي وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الممارسين والأسر.
وبهذا الإصدار، يواصل الدكتور نوح رابي إسهامه في إثراء البحث العلمي العربي في مجالات علم النفس والتربية الخاصة، مؤكداً أن بناء منظومة فعالة لمواكبة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لا يتحقق فقط بتطوير المناهج العلاجية، بل يقتضي أيضاً ترسيخ ثقافة علمية تجعل الأسرة والمدرسة والاختصاصيين شركاء في مشروع إنساني وتربوي واحد، قوامه تمكين الطفل من حقه في التعلم، والاندماج، والحياة الكريمة.





