
كش بريس/التحرير ـ
دخلت خمس دول في شرق البحر الكاريبي مرحلة دقيقة من المواجهة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما تلقت إنذاراً أوروبياً يربط استمرار تمتع مواطنيها بالإعفاء من تأشيرة الدخول إلى فضاء شنغن بإنهاء برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار قبل منتصف عام 2028. ويضع هذا الموقف الأوروبي هذه الدول أمام معادلة معقدة تجمع بين مقتضيات الأمن الأوروبي ومتطلبات البقاء الاقتصادي، بالنظر إلى أن بيع الجنسية يشكل أحد أهم روافد تمويل ميزانياتها ومشاريعها التنموية.
مهلة أوروبية لإنهاء برامج الجنسية الاستثمارية
يشمل القرار الأوروبي كلاً من أنتيغوا وبربودا، دومينيكا، غرينادا، سانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، وهي دول اعتمدت خلال العقود الماضية برامج تمنح جنسيتها للأجانب مقابل استثمارات مالية أو اقتناء عقارات أو تقديم مساهمات مباشرة لصناديقها الحكومية.
وتبدأ قيمة الاستثمار المطلوبة عادة من 200 ألف دولار، بينما يحصل المستثمر في المقابل على جواز سفر يتيح له دخول أكثر من 140 دولة وإقليماً، من بينها معظم بلدان الاتحاد الأوروبي، دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة.
ووفق ما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”، فقد بعثت المفوضية الأوروبية خلال الشهر الماضي رسائل رسمية إلى الحكومات المعنية، أكدت فيها أن استمرار هذه البرامج أصبح يتعارض مع القواعد الجديدة الخاصة بالإعفاء من التأشيرة، محددة الأول من يونيو 2028 موعداً نهائياً لإلغائها.
وأمام هذا التطور، أعلنت الدول الخمس تنسيق موقف موحد، مع التحضير لإرسال وفد رفيع إلى بروكسل لإجراء محادثات مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أملاً في التوصل إلى صيغة توافقية تجنبها خسارة الامتياز الأوروبي.
هواجس أمنية تقود الموقف الأوروبي
يرتكز التشدد الأوروبي على اعتبارات أمنية وقانونية، إذ ترى بروكسل أن منح الجنسية مقابل الاستثمار قد يفتح الباب أمام استغلال هذه البرامج في غسل الأموال أو التهرب من العقوبات الدولية أو تسهيل تحركات أشخاص مطلوبين قضائياً، بسبب ما تعتبره ثغرات في آليات التدقيق في خلفيات المتقدمين.
ورغم إقرار المفوضية الأوروبية بأن دول الكاريبي عززت خلال السنوات الأخيرة إجراءات الفحص الأمني وتبادل المعلومات، فإنها ترى أن سرعة منح الجنسية، وضخامة عدد الطلبات، وانخفاض معدلات الرفض، ما تزال تثير مخاوف بشأن سلامة منظومة السفر الحر داخل فضاء شنغن.
وتشير المعطيات الأوروبية إلى أن الدول الخمس منحت مجتمعة أكثر من مائة ألف جواز سفر عبر هذه البرامج، في وقت لا يُلزم فيه أغلب المتقدمين بالإقامة الفعلية داخل الدولة أو حتى زيارتها، باستثناء شروط محدودة تطبقها أنتيغوا وبربودا.
اقتصادات صغيرة تعتمد على بيع الجنسية
في المقابل، تؤكد حكومات شرق الكاريبي أن هذه البرامج لم تُنشأ بهدف الاستفادة من الإعفاء الأوروبي من التأشيرة، بل جاءت استجابة لاحتياجات اقتصادات صغيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية وتعاني محدودية القاعدة الضريبية.
ويشير الأمين العام لمنظمة دول شرق الكاريبي، ديداكوس جولز، إلى أن عشرات الدول حول العالم تعتمد صيغاً مختلفة للإقامة أو الجنسية مقابل الاستثمار، معتبراً أن حرية التنقل شكلت عامل جذب إضافياً لهذه البرامج، لكنها لم تكن الدافع الأساسي وراء إطلاقها.
وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي حجم الاعتماد المالي على هذه العائدات، إذ مثلت إيرادات برامج الجنسية الاستثمارية، في المتوسط، نحو 6.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدول الخمس بين عامي 2019 و2023، بينما تجاوزت 30 في المائة في دومينيكا خلال عام 2022، كما وفرت لأنتيغوا وبربودا قرابة 60 في المائة من إيراداتها الحكومية غير الضريبية.
مصدر تمويل لمشاريع التنمية وإعادة الإعمار
وتؤكد الحكومات الكاريبية أن الأموال المتأتية من بيع الجنسية لم تقتصر على سد احتياجات الميزانيات العامة، بل مولت مشاريع للبنية التحتية، والإسكان، والتعليم، والرعاية الصحية، فضلاً عن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الأعاصير، وتعزيز قدرة هذه الدول على مواجهة آثار التغير المناخي.
وترى هذه الحكومات أن مطالبتها بالتخلي عن هذه البرامج ينبغي أن تقترن ببدائل تمويلية حقيقية، حتى لا تتحول الضغوط الأوروبية إلى عامل يهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
انتقادات حقوقية وتحذيرات من إساءة الاستخدام
في المقابل، يواصل منتقدو هذه البرامج التحذير من إمكانية تحولها إلى منفذ للأثرياء الباحثين عن امتيازات ضريبية أو حرية أكبر في التنقل، أو حتى وسيلة لإخفاء الأصول المالية والالتفاف على الملاحقات القضائية.
ويؤكد خبراء في منظمة الشفافية الدولية أن الإشكال لا يكمن في منح الجنسية بحد ذاته، بل في القيمة التي تمنحها هذه الجوازات، باعتبارها تتيح الوصول إلى فضاءات اقتصادية وجغرافية واسعة، وهو ما يجعلها هدفاً محتملاً لشبكات الجريمة المنظمة إذا لم تكن إجراءات التحقق صارمة.
وفي المقابل، يشدد محامون متخصصون في الهجرة الاستثمارية على أن مكاتبهم ترفض سنوياً عدداً مهماً من الطلبات بسبب شبهات تتعلق بمصادر الأموال أو السجل الجنائي للمتقدمين، مؤكدين أن غالبية المستثمرين يسعون إلى الحصول على جنسية ثانية لأغراض التنقل الدولي أو إدارة الثروات، وليس للاستقرار داخل دول الكاريبي.
تشدد غربي يتجاوز الاتحاد الأوروبي
ولا تقتصر الضغوط على الاتحاد الأوروبي، إذ اتخذت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة إجراءات مماثلة، بفرض التأشيرة على مواطني دومينيكا ثم سانت لوسيا، قبل أن تلغي عام 2022 برنامج “التأشيرة الذهبية” الخاص بها بسبب مخاوف مرتبطة بالفساد وغسل الأموال.
كما شددت الولايات المتحدة الرقابة على برامج الجنسية الاستثمارية، ووقعت اتفاقاً مع دول الكاريبي لتبادل البيانات البيومترية وتعزيز عمليات التحقق الأمني الخاصة بالمستفيدين من هذه البرامج.
وزادت حدة الموقف الأوروبي بعد حكم صادر عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي اعتبر أن منح الجنسية مقابل المال يمثل شكلاً من “تسليع الجنسية”، ويتعارض مع مبادئ التعاون بين الدول الأعضاء، وهو الحكم الذي دفع مالطا، آخر دولة في الاتحاد كانت تعتمد هذا النظام، إلى إنهاء برنامجها.
مفاوضات ستحدد مستقبل نموذج اقتصادي كامل
تكشف الأزمة الحالية أن الخلاف بين بروكسل ودول شرق الكاريبي يتجاوز مجرد اختلاف حول سياسات الهجرة، ليعكس صراعاً بين منطقين متوازيين: أولوية الاتحاد الأوروبي في تشديد الرقابة على حدوده ومنظومة السفر الحر، في مقابل سعي الدول الجزرية الصغيرة إلى الحفاظ على أحد أهم مصادر تمويل اقتصاداتها في ظل محدودية البدائل.
ومع اقتراب المهلة التي حددها الاتحاد الأوروبي، تبدو المفاوضات المرتقبة في بروكسل حاسمة في رسم مستقبل برامج الجنسية مقابل الاستثمار، وربما أيضاً في إعادة تعريف العلاقة بين اعتبارات الأمن الدولي وحق الدول الصغيرة في اختيار أدواتها التنموية والاقتصادية.





