كش بريس/التحرير ـ
بعد خمسة عشر عاما على إقرار دستور 2011 للطابع الرسمي للغة الأمازيغية، وبعد سنوات من صدور القانون التنظيمي المؤطر لتفعيل هذه الرسمية، يعود السؤال اللغوي إلى واجهة النقاش السياسي المغربي من بوابة الانتخابات التشريعية لسنة 2026: إلى أي حد استطاعت الدولة تحويل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية إلى ممارسة فعلية داخل المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والمؤسسات العمومية؟ وهل تكفي النصوص القانونية لتغيير موقع اللغة في الحياة العامة، أم أن الفجوة بين التشريع والتنفيذ أصبحت هي المشكلة المركزية في هذا الورش؟
في هذا السياق، وضعت الرابطة المغربية للأمازيغية الأحزاب السياسية أمام اختبار جديد، من خلال مذكرة سياسية وتشريعية وجهتها إليها خلال يوليوز الماضي، تطالب بإدراج التزامات واضحة وقابلة للقياس والتنفيذ بشأن استكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن برامجها الانتخابية. وهي خطوة تنقل النقاش من مستوى الاعتراف بالمبدأ إلى مساءلة البرامج السياسية حول ما ستقترحه من سياسات وميزانيات وآليات عملية لترجمة هذا الاعتراف إلى واقع مؤسساتي واجتماعي.
وتعتبر الرابطة أن الانتخابات المقبلة تمثل لحظة سياسية مناسبة لإعادة فتح ملف طال انتظاره، خصوصا أن الأمازيغية، وفق منطوق الدستور، لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، وملكا مشتركا لجميع المغاربة. ومن ثم، فإن استكمال تفعيل رسميتها، في تصور الرابطة، ينبغي أن يخرج من دائرة الحسابات الانتخابية الظرفية، ليدخل ضمن منطق التعاقد السياسي والمؤسساتي طويل المدى، بما يضمن استمرارية السياسات العمومية بعيدا عن تغير الحكومات والائتلافات.
وتضع المذكرة ما تسميه الرابطة بـ”الهدر التشريعي والزمني” في صلب انتقاداتها، مشيرة إلى أن مرور أكثر من خمس سنوات على دخول القانون التنظيمي رقم 26.16 حيز التنفيذ يفرض الانتقال من مرحلة التنصيص والوعود إلى مرحلة التقييم والمساءلة والإنجاز. وترى أن الأجل الذي حدده القانون، والممتد على مدى خمسة عشر عاما للتفعيل التدريجي للطابع الرسمي للأمازيغية، لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الاستحقاقات، داعية إلى تقييم ما تحقق واستدراك مواطن التأخر، مع تثمين المكتسبات التي راكمتها المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
ويحتل التعليم موقعا مركزيا في المذكرة، باعتباره المجال الأكثر تأثيرا في تحويل الرسمية اللغوية إلى ممارسة اجتماعية ومؤسساتية يومية. وفي هذا السياق، تقترح الرابطة إحداث مديرية مستقلة داخل وزارة التربية الوطنية تتولى تدبير ملف تعليم الأمازيغية، مع الرفع التدريجي من المناصب المالية المخصصة لتكوين المدرسين والمكونين، وتعميم تدريسها على مختلف أنماط التعليم، بما فيها المؤسسات العمومية والخاصة والتعليم العتيق والأصيل.
كما تدعو إلى إدماج الأمازيغية في برامج محو الأمية والتعليم الموجه للمغاربة المقيمين بالخارج، ووضع آليات لتحفيز مؤسسات التعليم الخصوصي على إدراجها ضمن برامجها، بما في ذلك اعتماد حوافز مالية وضريبية. وتقترح، في السياق ذاته، وضع معايير دقيقة لقياس الكفايات اللغوية في الأمازيغية ضمن امتحانات البكالوريا، إلى جانب مراجعة السياسة اللغوية المعتمدة في تدريس المواد العلمية والتقنية.
وترى الرابطة أن اعتماد اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، في المجالات العلمية والتقنية ينبغي أن يشكل جزءا من إعادة بناء السياسة اللغوية الوطنية، مطالبة بإحداث مسالك جامعية ومختبرات بحث متخصصة في اللغة والثقافة الأمازيغيتين، بما ينقل الدراسات الأمازيغية من هامش الاهتمام الأكاديمي إلى مجال مؤسساتي مستدام.
ويمتد التصور الذي تقدمه المذكرة إلى المجال الديني، حيث تطالب بتوسيع حضور الأمازيغية في برامج التأطير الديني داخل المساجد، في المغرب وخارجه، وتطوير التجارب القائمة في التعليم العتيق، فضلا عن تعزيز استخدامها في الإنتاجات الإعلامية الدينية، خصوصا عبر المنصات الرقمية.
وفي مجال السياسة اللغوية، تطالب الرابطة بتسريع إخراج المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية إلى حيز الوجود باعتباره مؤسسة دستورية يفترض أن تؤدي دورا مركزيا في تدبير التعدد اللغوي والثقافي، إلى جانب التعجيل بإحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، بما تعتبره الرابطة مدخلا لتحقيق قدر أكبر من التوازن والتكامل بين اللغتين الرسميتين.
وفي المؤسسة التشريعية، تدعو المذكرة إلى توفير الترجمة الفورية بالأمازيغية خلال الجلسات العامة وأشغال اللجان البرلمانية، مع تفعيل المقتضيات الواردة في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان بشأن استعمال الأمازيغية في العمل التشريعي، معتبرة أن حضور اللغة في المؤسسة التي تصنع القوانين يمثل أحد الاختبارات العملية لمفهوم الرسمية.
كما تطالب بتعزيز حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي، من خلال تطوير القناة الأمازيغية والرفع من إمكاناتها المالية والزمنية، وزيادة الإنتاج الناطق بها في مختلف القنوات الوطنية، إلى جانب إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التكوينات الأكاديمية بالمعهد العالي للإعلام والاتصال. وتدعو الرابطة، في السياق الثقافي، إلى تجاوز المقاربات التي تحصر الثقافة الأمازيغية في بعدها الفلكلوري، وإدماج الإبداع الأمازيغي في صلب السياسة الثقافية الوطنية باعتباره مكونا حيا من مكونات الثقافة المغربية المعاصرة.
وفي المجال القضائي، تطرح المذكرة جملة من الإجراءات الرامية إلى جعل الرسمية اللغوية قابلة للممارسة داخل منظومة العدالة، من خلال إتاحة استعمال الأمازيغية في مختلف مراحل التقاضي، وتكوين القضاة وموظفي كتابة الضبط، ومراجعة بعض المقتضيات القانونية والتنظيمية ذات الصلة، بما يضمن، بحسب الرابطة، الإنصاف بين اللغتين الرسميتين أمام القضاء.
وتنتقل المطالب إلى الإدارة والمرافق العمومية، حيث تدعو الرابطة إلى تصحيح الاختلالات الموجودة في ترجمة اللوحات الإدارية وعلامات التشوير والواجهات المؤسساتية، واعتماد الأمازيغية في مراكز النداء والخدمات العمومية ومحطات القطارات والمطارات والموانئ، فضلا عن مراجعة بعض التسميات المرتبطة بالشوارع والفضاءات العامة بما يعكس الذاكرة الوطنية بتنوع روافدها.
وتربط الرابطة هذه المطالب أيضا بالاستحقاقات الدولية التي تحتضنها المملكة، معتبرة أن التظاهرات الكبرى، ومنها الفعاليات الرياضية والثقافية الدولية، يمكن أن تشكل فرصة لإبراز التنوع اللغوي والثقافي المغربي باعتباره أحد عناصر القوة الناعمة للمملكة ومظهرا من مظاهر وحدتها الوطنية.
وتكشف المذكرة، في جوهرها، عن انتقال المطالبة بالأمازيغية من خطاب الاعتراف إلى خطاب قياس الأداء؛ فالسؤال الذي تضعه الرابطة أمام الأحزاب لا يتعلق فقط بموقفها المبدئي من الرسمية، وإنما بمدى استعدادها لتحويلها إلى التزامات محددة داخل البرامج الحكومية والسياسات القطاعية والميزانيات وآليات التنفيذ والتقييم.
ومن هذا المنظور، أعلنت الرابطة أنها ستجعل من مدى استجابة الأحزاب لمضامين المذكرة وإدراج مطالبها ضمن برامجها الانتخابية أحد المعايير الأساسية لتقييم مواقفها خلال المرحلة المقبلة. وبذلك تتحول الأمازيغية، مع اقتراب انتخابات 2026، من ملف ثقافي ولغوي إلى قضية سياسية ومؤسساتية قابلة للمساءلة الانتخابية، في وقت تراهن فيه الرابطة على جعل استكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية التزاما سياسيا واضحا لا مجرد وعد انتخابي مؤجل.

دراسة تعيد رسم خريطة عمل الميتفورمين: دواء السكري الشائع يؤثر في الدماغ أيضاً
حقوقيون مغاربة وأوروبيون يطالبون بتحقيق مستقل في أحداث سبتة ومليلية ويحملون الرباط ومدريد مسؤوليات مشتركة
“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 6 / 7 )