كش بريس/التحرير ـ بعيدًا عن الصيغ الجاهزة التي تختزل السياسة في توصيفات آنية، يبرز التفكير في الحقل السياسي المغربي كتمرينٍ معقّد على فهم ما يتوارى خلف الوقائع من بنياتٍ واستمرارات. ضمن هذا الأفق، احتضنت المكتبة الجامعية الرقمية التابعة لـجامعة القاضي عياض بمراكش لقاءً فكريًا نوعيًا، استضافت خلاله المفكر والأكاديمي المغربي عبد الله ساعف، في محاضرة سعت إلى مقاربة تحولات هذا الحقل من زاوية تحليلية تتجاوز الوصف إلى مساءلة الشروط العميقة لإنتاجه وتجدداته.
من جهته، أعاد منسق أعمال المكتبة، الدكتور مصطفى لعريصة، توجيه البوصلة نحو أفقٍ يتغذى من فكرة التلاقي، حيث لا يكون الفكر ترفًا، بل ضرورة استراتيجية تعيد ترتيب العلاقة بين المدينة وذاكرتها، وبين الثقافة ووظيفتها في تثبيت الإحساس بالانتماء. فالثقافة هنا لا تُفهم كاحتفاء موسمي، بل كفعلٍ تأويلي يعانق تحولات المرحلة، ويستجيب لإيقاعها الرقمي المتسارع، حيث يغدو “العقل الأداتي” وسيطًا بين الإنسان وتحولاته، لا مجرد أداة تقنية صماء.

أما تقديم اللقاء، الذي تولاه الأستاذ ياسين عبار، فقد انفتح على استحضار الأثر السيروري لهذا الحدث، لا باعتباره مناسبة عابرة، بل كعلامة دالة في تاريخ التفكير في السياسي بالمغرب. ومن هذا المنطلق، طُرحت على ساعف أسئلة الحقل السياسي في توتراته وتحولاته، بوصفه فضاءً لا يستقر، بل يعيد إنتاج ذاته داخل مفارقة دائمة بين الحركة والجمود.
في صلب المحاضرة، قاد ساعف الحضور نحو تفكيك paradox مركزي: كيف يمكن للتغيير أن يكون أحيانًا مجرد إعادة إنتاج للثبات؟ فالجنوب الكبير، في تصوره، لم يكن خارج التحول، لكنه تحول في اتجاه تثبيت البنيات لا خلخلتها، حيث بدت الحداثة وكأنها تُستثمر من داخل القوى التقليدية، لا ضدها. ومن هنا، فضّل استبدال مفهوم “الانتقال الديمقراطي” بمفهوم “الانتقال السياسي”، لما يحمله الأول من حمولة معيارية قد لا تنطبق على تعقيدات الواقع المغربي.
وقد انتظمت قراءته ضمن خمسة محاور تحليلية، تبتدئ بسؤال التغيير وإعادة الإنتاج، حيث استمر النسق العام منذ سبعينيات القرن الماضي في إعادة تدوير ذاته، رغم اختلاف السياقات. ثم تأتي دينامية التطورات الاجتماعية، من بطالة وتحولات ديمغرافية وبروز الأسرة النووية، بوصفها مفاتيح لفهم الحاضر. أما على مستوى المؤشرات البنيوية، فقد أبرز ساعف مركزية الدولة كفاعل محوري، تتقاطع معه الدولة الإدارية بمؤسساتها، ثم النخب التي تعرف تراجعًا في أدوار الوساطة، مقابل مجتمعٍ يتحول تدريجيًا إلى متلقٍ أكثر منه فاعلًا. وفي هذا السياق، يتبدى التحول من “سلطة صلبة” إلى “سلطة لينة”، حيث تغدو الحكامة والتفاوض أدوات لإعادة توزيع السيطرة بدل احتكارها. وفي تأمله لمفهوم الإصلاح، أشار إلى بطء الإيقاع الدستوري والسياسي، الذي، رغم توسيعه لهامش الحريات، يظل محل تساؤل حول قدرته على إحداث تحول بنيوي حقيقي.
كما توقف عند صعود الدولة التدبيرية، حيث تتراجع الإيديولوجيا لصالح التقنية، في انسجام مع أطروحات يورغن هابرماس حول تداخل السياسي والتقني. ولم يغفل ساعف التحول في طبيعة الفاعلين، من نخب حزبية تقليدية إلى نخب شبكية ورقمية، ومن وساطة مؤسساتية إلى تعبيرات احتجاجية مباشرة، في ظل تشابك متزايد بين الاقتصادي والسياسي. كما توقف عند التحول الترابي، حيث تتقاطع المركزية مع اللاتمركز في صيغة مركبة، تُبقي للدولة قبضتها، وإن بصيغة أكثر مرونة.

في المحصلة، لم تكن المحاضرة سوى تفكيكٍ هادئ لمفارقة كبرى: التحديث الذي لا يقطع مع التقليد، والتغيير الذي لا يتحرر من اللاتغيير. وهي مفارقة تجعل من الحقل السياسي المغربي فضاءً معلقًا بين ممكنات التحول وحدود الاستمرارية. وقد اختُتم اللقاء بنقاش غني، شاركت فيه نخبة من مثقفي وأكاديميي وإعلاميي المدينة الحمراء، حيث تحولت المائدة الفكرية إلى ورشة عقلانية مفتوحة، تُعيد الاعتبار للفكر بوصفه أداة للفهم، لا مجرد تعليق على الواقع.

مشروع بـ100 مليون درهم لتأهيل محطة أوكيمدن
جائزة الأركانة العالمية للشعر تُكرم أربعة شعراء فلسطينيين
بيدرو سانشيز… صوت اليسار العالمي في مواجهة ترامب